زهراء
02-03-2008, 05:52 PM
:63:
الرحيل المبكر
كانت ترنو الى وليدها بعينين مجهدَتين، وها هو يغفو الى جانبها كقمر صغير، كوردة نسرين تتفتح للربيع.
كانت ترنو إليه بحزن. نداء ما يضجّ في أعماقها كأنّه يدعوها للرحيل. الرحيل الى عوالم بعيدة.
فتح الصبي عينَيه كأنّه يبحث عن أُمّه؛ هزّ المهد بقدمه الصغيرة.
تجمّع خوف بريء في عينيه، وطافت وجهَه المستدير غيمةٌ حزينة وانبعث صراخ طفولي فيه نشيج الميازيب في مواسم المطر.
كان الصوت يخترق أُذنيها.. يدوّي في أعماقها يفجّر ينبوع الأُمومة.. ولكنّ الجسد الخائر لم يَقوَ على الحراك، وقد أوشكت الروح على الرحيل والصبي يصرخ ويصرخ كأنّه يتشبّث بروح وهبته الروح.
تمتمت بأسى:
ـ ابكِ يا ولدي الحبيب.
ثم أغمضت عينيها الواهنتين لتغفو بسلام؛ فيما ظلّ الصبي يبكي.
كانت السماء تسحّ مطراً ناعماً، وكأن الغيوم تبكي بصمت، وامتزج بكاء الصغير مع نشيج الميازيب. لكأن الأقدار رسمت لهذا الصبي طريقاً منقوعاً بالدموع مضمَّخاً بحزن سماويّ ورثه أجداده عن آدم يوم قُتِلَ هابيل.
وتمرّ السنين، والتاريخ يشعل الحوادث المدمّاة هنا وهناك.
تدفقت دماء جدّه في المحراب قانيةً تلوّن أُفق التاريخ، حتّى إذا مضت خمسون سنة على الهجرة أشعل التاريخ حادثة في منزل عمّه سبط النبيّ وريحانته.
كان الحسن يتلوّى من الألم.. آلام رهيبة كخناجر تغوص في قلبه تمزّق كبِده.
وقف عليّ إلى جانب أبيه يراقب عمّه بحزن.
هتف الحسين عليه السّلام بمرارة:
ـ ألا تُخبرني بمَن دسّ إليك السمّ ؟
تمتم الحسن عليه السّلام وكأنّه يحدّث نفسه:
ـ لقد سُقيتُ السمّ مراراً فلم يفعل مثل هذه المرّة.
شعر بأن ناراً مجنونة تشعل الحرائق في أعماقه، ماذا يقول لأخيه ؟! انّه يعرف من دسّ السمّ، هناك في بلاد الشام رجل من طلقاء جدّه يخلط السم بالعسل.. سلاح جديد يستخدمه منذ سنين بعد أن وضعت الحرب أوزارها.
رجل تحوطه سيوف وقلاع؛ وما « جعدة » إلاّ ضحية مرض وبيل، عقدة ورّثها قابل أبناءه.
وأغمض الحسن عينيه ليفتحهما في عالم آخر.. عالم مليء بالمسرّات الخالدة.
ومضى التاريخ يشعل الحوادث، مات « ابن كلدة » طبيب العرب وكان قد أخذ الطبّ عن أهل فارس، وماتت عفراء وكانت من أهل البادية يتغنَّون بقصّة حبّها العذري لابن حزام؛ وماتت ميمونة وكانت امرأة وهبت نفسها للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
مضى التاريخ يشعل الحوادث، ارتفعت في سماء « الفسطاط » بمصر أوّل منارة في الإسلام، والجيوش الإسلامية تدقّ بعنف أبواب القسطنطينيّة واستُشهد أبو أيوب الأنصاريّ فدُفن تحت أسوارها.
ومات سعد بن أبي وقّاص آخر المهاجرين وترك بقصره « العقيق » ذهباً وفضة وابناً سيسلّ سيفه لمحو التاريخ الهجري.
:63::63::63::63:
الرحيل المبكر
كانت ترنو الى وليدها بعينين مجهدَتين، وها هو يغفو الى جانبها كقمر صغير، كوردة نسرين تتفتح للربيع.
كانت ترنو إليه بحزن. نداء ما يضجّ في أعماقها كأنّه يدعوها للرحيل. الرحيل الى عوالم بعيدة.
فتح الصبي عينَيه كأنّه يبحث عن أُمّه؛ هزّ المهد بقدمه الصغيرة.
تجمّع خوف بريء في عينيه، وطافت وجهَه المستدير غيمةٌ حزينة وانبعث صراخ طفولي فيه نشيج الميازيب في مواسم المطر.
كان الصوت يخترق أُذنيها.. يدوّي في أعماقها يفجّر ينبوع الأُمومة.. ولكنّ الجسد الخائر لم يَقوَ على الحراك، وقد أوشكت الروح على الرحيل والصبي يصرخ ويصرخ كأنّه يتشبّث بروح وهبته الروح.
تمتمت بأسى:
ـ ابكِ يا ولدي الحبيب.
ثم أغمضت عينيها الواهنتين لتغفو بسلام؛ فيما ظلّ الصبي يبكي.
كانت السماء تسحّ مطراً ناعماً، وكأن الغيوم تبكي بصمت، وامتزج بكاء الصغير مع نشيج الميازيب. لكأن الأقدار رسمت لهذا الصبي طريقاً منقوعاً بالدموع مضمَّخاً بحزن سماويّ ورثه أجداده عن آدم يوم قُتِلَ هابيل.
وتمرّ السنين، والتاريخ يشعل الحوادث المدمّاة هنا وهناك.
تدفقت دماء جدّه في المحراب قانيةً تلوّن أُفق التاريخ، حتّى إذا مضت خمسون سنة على الهجرة أشعل التاريخ حادثة في منزل عمّه سبط النبيّ وريحانته.
كان الحسن يتلوّى من الألم.. آلام رهيبة كخناجر تغوص في قلبه تمزّق كبِده.
وقف عليّ إلى جانب أبيه يراقب عمّه بحزن.
هتف الحسين عليه السّلام بمرارة:
ـ ألا تُخبرني بمَن دسّ إليك السمّ ؟
تمتم الحسن عليه السّلام وكأنّه يحدّث نفسه:
ـ لقد سُقيتُ السمّ مراراً فلم يفعل مثل هذه المرّة.
شعر بأن ناراً مجنونة تشعل الحرائق في أعماقه، ماذا يقول لأخيه ؟! انّه يعرف من دسّ السمّ، هناك في بلاد الشام رجل من طلقاء جدّه يخلط السم بالعسل.. سلاح جديد يستخدمه منذ سنين بعد أن وضعت الحرب أوزارها.
رجل تحوطه سيوف وقلاع؛ وما « جعدة » إلاّ ضحية مرض وبيل، عقدة ورّثها قابل أبناءه.
وأغمض الحسن عينيه ليفتحهما في عالم آخر.. عالم مليء بالمسرّات الخالدة.
ومضى التاريخ يشعل الحوادث، مات « ابن كلدة » طبيب العرب وكان قد أخذ الطبّ عن أهل فارس، وماتت عفراء وكانت من أهل البادية يتغنَّون بقصّة حبّها العذري لابن حزام؛ وماتت ميمونة وكانت امرأة وهبت نفسها للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
مضى التاريخ يشعل الحوادث، ارتفعت في سماء « الفسطاط » بمصر أوّل منارة في الإسلام، والجيوش الإسلامية تدقّ بعنف أبواب القسطنطينيّة واستُشهد أبو أيوب الأنصاريّ فدُفن تحت أسوارها.
ومات سعد بن أبي وقّاص آخر المهاجرين وترك بقصره « العقيق » ذهباً وفضة وابناً سيسلّ سيفه لمحو التاريخ الهجري.
:63::63::63::63: