مشاهدة النسخة كاملة : ..::سلسلة قصص الأنبياء ::..
عاشقة حيدر
03-15-2008, 11:35 PM
اللهم صلي على محمد وال محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
..::سلسلة قصص الأنبياء::..
سيتم وضع قصص الانبياء سلام الله عليهم في هذا الموضوع
نبدأ بعون الله تعالى مع:
حبيب الله
العالم قبل النبي محمد صلى الله عليه و آله:
بعث الله موسى(ع) نبياً مرسلاً، يهدي الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد، ويأمرهم بالعدل، لينقذهم من ظلم الفراعنة والطواغيت، فجاءهم بالتوراة، فيها مالهم وما عليهم .
وبعد انتقال موسى(ع) إلى جوار ربه، راح أحبار اليهود يحرفون الكلم عن مواضعه، ويستغلون الدين لأطماعهم الشخصية، ضاربين عرض الحائط بتعاليم موسى(ع) خصوصاً مابشر به من نبي يأتي من بعده اسمه عيسى .
ولما بعث الله عيسى(ع) لتهذيب الأخلاق وتطهير النفوس، وزرع المحبة بين أبناء البشر، في ظلال عقيدة التوحيد، وليبشر بنبي يأتي بعده إسمه أحمد، دخل جماعة من اليهود في الدين الجديد، وراحوا يعملون على تحريفه واستغلاله، تماماً كما فعلوا بدين موسى(ع)، حتى أصبح تحت تأثير رجال الكنيسة غير المؤمنين، سيفاً مصلتاً على رقاب الناس، خصوصاً المثقفين.
وهكذا، عاشت البشرية انحطاطاً مخيفاً، في شتى شؤونها الحياتية، وساد الظلم والفساد، وعاد الناس إلى الشرك وعبادة الأصنام، وباتوا يؤمنون بالخرافات والأساطير، وكأني بهم يهربون من واقعهم الأليم .
وكان شأن سكان الجزيرة العربية. شأن معظم الناس في ذلك العصر، فسيطر عليهم، ماسيطر على الناس، وسادتهم روح القبلية والنزاع، وعمهم الظلم والفساد والتردي، وباتوا على شفا جرفٍ هارٍ.
الوليد المبارك :
بعد ضياع وفساد استمرا ردحاً من الزمن، وفي العام الذي سمي بعام الفيل، ولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، في قبيلة قريش في العام سبعين وخمسمئة للميلاد. وكان ذلك الحدث العظيم بعد شهر تقريباً من حادثة أصحاب الفيل، المشهورة.
كان عبد الله بن عبد المطلب، والد محمد، يعمل في التجارة إلى الشام، فوافته المنية أثناء عودته من إحدى رحلاته، وكانت زوجته آمنة بنت وهب، من بني عدي بن النجار، حاملاً، فلم يقدر للوليد الجديد أن يرى أباه.
ولما كان من عادة العرب في مكة أن يسترضعوا لأولادهم نساء أهل البادية، طلباً للفروسية والفصاحة، فقد عرض محمد على مرضعة من قبيلة بني سعد بن بكر اسمها حليمة، فتبرمت به، لكونه يتيماً، ويشاء الله ان ترضعه حليمة، إذ يشير عليها زوجها أن تأخذ الطفل، عسى أن يكون لهما في إرضاعه خير.. وفعلاً، فقد حلّت بركة الوليد المصطفى، في الحي الذي تسكنه حليمة، وعمّ الخير في ربوعه. ويوماً بعد يوم، كانت تظهر عظمة الطفل المبارك، حتى أن حليمة وزوجها كانا يودان أن يبقى محمد عندهما، حتى بعد مابلغ سن الفطام .
ولما بلغ محمد الخامسة من عمره، أعيد إلى حضن أمه آمنة، لترعاه أحسن ماتكون الرعاية. فتأخذه معها إلى أخواله بني النجار في يثرب، حتى وافتها المنية وهي في طريق عودتها، ودفنت في الأبواء بين مكة والمدينة، ومحمد لايزال في السادسة من عمره، فعادت به أم أيمن جارية آمنة إلى جده عبد المطلب.
كفل عبد المطلب محمداً، ووفر له العطف والحنان والعناية اللازمة، لما كان يتوسم فيه من الشأن العظيم، ولكنه توفي ومحمد لايزال في الثامنة من عمره، فتولّى أبو طالب عمّ محمد رعايته، وأحاطه بعناية لم يحظ بها أحد من أبنائه، حتى أنّه كان يصحبه معه في تجارته إلى الشام.
وزاد تعلق أبي طالب بمحمد، بعد أن قال له الراهب بحيرا، وكان عالماً بالتوراة والانجيل، وقد راى محمداً، قال له: إن ابن أخيك هذا نبي هذه الأمة، فاحذر عليه من اليهود.
بلغ محمد مبلغ الشباب، فكان مثالاً لكل الصفات الأخلاقية النبيلة، فوجدت فيه قريش، وكذلك أهل مكة، سيداً من ساداتهم، ومرجعاً لهم في الملمات، وكانت له اليد الطولى في عقد حلف الفضول، لمناصرة المظلومين ومحاربة العدوان من أي مصدر كان.
علامات النبوة :
سمعت خديجة بنت خويلد، وهي من أشراف قريش، سمعت بما يتمتع به محمد بن عبد الله، من الصدق والأمانة والأخلاق العالية، فأعجبت به، وودّت لو يبادلها محمد هذا الشعور، فدعته إلى الذهاب في تجارتها إلى الشام. لقاء أجر يعادل ضعفي ماكانت تعطيه للآخرين، فقبل محمد واتّجر لها، فنجحت الرحلة نجاحاً باهراً، وانتهى الأمر بعدها بزواج محمد من خديجة.
ورغم أن خديجة بنت خويلد كانت على أبواب الأربعين من عمرها، فيما كان محمد في ريعان الشباب، فإن زواجهما حقّق أروح تلاحم عاطفي أساسه الحب والاحترام المتبادل، وأثمر عدداً من الأولاد، ذكوراً وإناثاً، إذ ولد لهما القاسم، وبه كان محمد يكنى، ثم إبراهيم، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وعبد الله وفاطمة. ولكن مشيئة الله سبحانه قضت أن لايبقى منهم على قيد الحياة سوى فاطمة.
بعد أن تزوج محمد تركزت شخصيته الاجتماعية، وتعززت وتجلّت يوم اختلاف القبائل في وضع الحجر الأسود، بعد إعادة بناء الكعبة المشرفة، إثر السيل الجارف والحريق اللذين تعرضت لهما.. فما أن طلع عليهم محمد حتى قالوا: هذا الأمين رضينا به حكماً بيننا.. وقصوا عليه ماهم فيه من الخلاف، فما كان منه إلا أن وضع الحجر في ثوب، ثم أمرهم أن تأخذ كل قبيلة منهم بطرف، ليرفعوا الحجر ويضعوه في مكانه فيكون الجميع مشتركين في وضعه.
وبدأت علامات النبوة تظهر على محمد. فها هو ينقطع في غار حراء، شهراً كاملاً، من كل عام، يقضيه في التأمل والتفكر، بعيداً عن الصراعات القبلية والفساد. ولما بلغ الأربعين من العمر، أنزل الله سبحانه جبرائيل(ع) ليتلو على محمد(ص) أول بيان من الرسالة الخاتمة: ( إقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. إقرأ وربك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الانسان مالم يعلم ) .
كان لهذا البيان العظيم أثره في قلب حبيب الله وفيه نفسه، وهو الذي لم يتعلّم القراءة ولا الكتابة، فعاد إلى بيته، وتدثر في فراشه، فأنزل الله عليه البيان الثاني: ( ياأيها المدثّر قم فأنذر وربك فكبّر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ).
وهكذا كان الأمر الالهي للنبي محمد (ص) واضحاً بحمل الرسالة، والقيام بأعباء الدعوة إلى الله.
النبي يدعو وقريش تراوغ :
عرض رسول الله محمد(ص) دعوته على زوجه خديجة (رض) وعلى ابن عمه علي بن أبي طالب، فآمنا بها، وتابع النبي دعوته، فآمن معه أربعون شخصاً، أغلبهم من الشباب. فاتخذ النبي(ص) دار الأرقم المخزومي، مركزاً يعلّم فيه المؤمنين القرآن.
وبعد ثلاث سنوات أمر الله سبحانه حبيبه محمداً (ص) بأن ( أنذر عشيرتك الأقربين) فدعا النبي عشيرته إلى طعام، وما أن أراد محمد (ص) أن يحدثهم، وكانوا قد علموا بأمره، حتى قاطعه عمه أبو لهب، وحذره من الإستمرار في دعوته.
وانفضّ الاجتماع، قبل أن يتم محمد كلامه، فعاد الأمر الالهي: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) فأعاد (ص) الكرة ثانية فدعا عشيرته وأولم لهم، وماكادوا يفرغون من الطعام، حتى بادرهم عليه الصلاة والسلام بقوله: "يابني عبد المطلب، إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة... وأنا أدعوكم الى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون من النار: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأني رسول الله... أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى. قال(ص): فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد... أنقذوا أنفسكم من النار".
وقاطعة أبو لهب ثانية، وقال له: تباً لك، ألهذا دعوتنا! فأنزل الله سبحانه على حبيبه: (تبّت يدا أبي لهبٍ وتب. ماأغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى ناراً ذات لهب. وامرأته حمالة الحطب. في جيدها حبل من مسد).
دخل جماعة من قريش في الاسلام، واخذت الدعوة المحمدية تشق طريقها في المجتمع، وراح أنصارها يزدادون يوماً بعد يوم، فاعتبر زعماء قريش أنّ ذلك خطر يتهدد مصالحهم الذاتية وزعاماتهم، وجاهروا بعدائهم للنبي وللإسلام، وسلكوا سبيل الحطّ من شأن الرسول وتكذيب دعوته، وراحوا يهزؤون به قائلين: (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وأعناب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء).
ولم يكن هذا الأسلوب اللئيم في المحاربة، ليثني النبي العظيم عن تبليغ رسالة ربه، وواصل دعوته بإصرار غير مكترث بسخرية زعماء قريش، فعمدوا، كما يعمد أعداء الله اليوم، إلى التضليل الاعلامي، وترويج الاشاعات الكاذبة، ضد النبي وأتباعه، فمرة يصفونه بالكذاب، وأخرى بالشاعر، وثالثة بالساحر، حتى بلغت إشاعاتهم الحبشة وسواها، وهم يهدفون إلى عزل جبيب الله عن المجتمع، وإبعاد القاعدة الشعبية عنه وعن الدين الجديد.
ولم تنفع كل تلك الإشاعات والإفتراءات وأساليب التضليل، وظلَّ الناس يتهافتون على النبي(ص) تهافت الفراش على النور، فلجأ زعماء قريش إلى أسلوب الإغراء والمساومة، فأرسلوا عتبة بن ربيعة ليقول للنبي(ص): يابن أخي، إن كنت تريد بما جئت به مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد بما جئت به شرفاً، سودناك علينا، حتى لاينقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد ملكاً ملّكناك علينا.
وجاء الردّ من النبي(ص) فقال: "أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. فقال(ص): فاسمع مني: (حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لايسمعون، وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل فاننا عاملون).
وتابع النبي(ص) حتى بلغ موضع السجدة فسجد، وعتبة يسمع ويرى، ثم قال عليه الصلاة والسلام: قد سمعت يا أبا الوليد ماسمعت، فأنت وذاك".
عاد عتبة مرتبكاً، فرآه أصحابه فقالوا: لقد عاد أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فقال لهم: "إني قد سمعت وقولاً، والله ماسمعت مثله قط... والله ماهو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة". وراح عتبة يدعوهم إلى التخلي عن مواجهة النبي، وتركه وشأنه، فقالوا له: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.
ثم إنّ زعماء قريش أرسلوا إلى النبي(ص) وفداً منهم، ليعرضوا عليه المغريات فما كان قوله إلا أن قال: "ماجئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليَّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم".
عاشقة حيدر
03-15-2008, 11:37 PM
قريش تؤذي النبي وأصحابه :
لم تؤثر إغراءات زعماء قريش في النبي محمد(ص) وتابع دعوته وتهزئ أوثانهم، فلجأوا إلى أسلوب الضغط والحصار... فجاؤوا إلى عمه أبي طالب وقالوا له: والله لانصبر على تسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفّه عنّا، أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين.
وفاتح أبو طالب ابن أخيه بالأمر فقال النبي(ص): "ياعمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري. على أن أترك هذا الأمر، ماتركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه".
رأى زعماء قريش صلابة موقف النبي واستعداده للتضحية، حتى بحياته في سبيل الله، فرجموا بيته بالحجارة، ووضعوا الشوك في طريقه، وألقوا التراب على رأسه، وسلطوا صبيانهم ومجانينهم عليه، يلاحقونه، كما عمدوا إلى إيذاء أصحابه(رض) وملاحقتهم، فألقوا القبض على بلال الحبشي، مؤذن النبي، وألقوه على ظهره عارياً فوق رمال الصحراء الحامية، ووضعوا حجراً ثقيلاً على بطنه قائلين له: لاتزال كذلك حتى تموت، أو تكفر بمحمد وتعبد اللاّت والعزّى.
كذلك القوا القبض على ياسر وزوجته وانبهما عمار، وراحوا يعذبونه حتى يردوهم عن دينهم، دون جدوى.
واحتمل النبي(ص) كل ذلك بالصبر، واحتسبه عند الله، وكان صلوات الله عليه يقول: "ماأوذي نبي مثل ماأوذيت" ويأمر أصحابه بالصبر والثبات، حتى يأتي الله بأمره ويقول لهم: "قد كان من قبلكم لتمشط بأمشاط الحديد مادون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه... وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما يخاف إلا الله عزوجل".
الهجرة إلى الحبشة ثانية :
ولما زادت مضايقات قريش للنبي وأتباعه، رأى النبي(ص) أن يأذن لبعض أتباعه بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وظلوا هناك ثلاثة أشهر، عادوا بعدها إلى مكة، ولكن المشركين كانوا له بالمرصاد، فعاودوا ملاحقتهم وآذوهم أشد الإيذاء، فأمرهم بالهجرة مجدداً إلى الحبشة، وكانوا هذه المرة ثمانين رجلاً يتقدمهم جعفر بن أبي طالب، وثماني عشرة امرأة تتقدمهن أسماء زوج جعفر، فلما وصلوا إلى الحبشة، استقبلهم ملكها النجاشي النصراني وأحسن معاملتهم.
وحاول القرشيون استرجاع المهاجرين، إمعاناً في التضييق عليهم فأرسلوا إلى النجاشي مبعوثين هما عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، وحمّلوهما الهدايا، فاستدعى النجاشي المهاجرين فجاؤوا وجاء معهم جعفر بن أبي طالب، فقال للنجاشي: أيها الملك، كنا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار... فبعث الله فينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله... وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام وصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الأرحام وحسن الجوار.. فصدقناه وآمنا به، فعدا علينا قومنا، ليردونا إلى عبادة الأصنام، واستحلال الخبائث.. فلما قهرونا وظلمونا، خرجنا إلى بلادك... ورجونا ألاّ نظلم عندك.
فلما سمع النجاشي قول جعفر هذا، التفت إلى عمرو وعمارة وقال لهما: هذا والذي جاء به عيسى ابن مريم يخرج من مشكاة واحدة..
وشعر عمرو وعمارة بالخيبة والهزيمة، فحاولا إثارة فتنة طائفية بين المسلمين والنجاشي، فقالا: إنّ هؤلاء يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد لإلههم.. فسأل النجاشي المسلمين عن هذا الأمر، فأجابه جعفر بن أبي طالب: "مانقول فيه إلا الذي جاء به نبينا، من أنه عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول". فما كان من النجاشي إلا أن طرد عمراً وعمارة وأبقى المسلمين في بلاده.
حصار المشركين للنبي وبني هاشم :
حين فشلت قريش في التضييق على أتباع حبيب الله محمد(ص) من المسلمين، وبعد طرد النجاشي لمبعوثيها عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، صبّت حقدها على المسلمين في مكة، واتخذ كبار المشركين، فيما بينهم قراراً يقضي بمقاطعة بني هاشم، ومحاصرتهم في شعب أبي طالب، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في الكعبة، ونصّت على عدم مبايعة بني هاشم أو الزواج منهم أو تزويجهم، وطالبوهم بتسليم النبي محمد(ص) يساندهم في ذلك عمه أبو لهب.
ورفض أبو طالب عم النبي وحاميه أن يسلّم لهم ابن أخيه، وأمر بحراسته، فبقي بنو هاشم وحبيب الله محمد معهم في الضيق والعذاب ثلاثة أعوام، شاء الله تعالى أن يمتحنهم بها، حيث أرسل بعدها أرضة أكلت الصحيفة ولم تبق منها غير عبارة: باسمك اللهم.
وأوحى الله سبحانه إلى حبيبه محمد (ص) ينبئه بالأمر، فأخبر النبي عمه أبا طالب، فأخبر أبو طالب قريشاً بأمر الصحيفة، فدبّ النزاع بينهم، ولم ينته إلا بفك الحصار عن بني هاشم.
النبي (ص) في الطائف :
توفي أبو طالب (رض) وبعده بأيام توفيت خديجة زوجة الرسول ففقد حبيب الله بفقدهما سندين قويين لرسالته، فسمى ذلك العام عام الحزن، واغتنم المشركون الفرصة فزادوا من إيذائهم للنبي، فذهب النبي ومعه زيد بن حارثة إلى الطائف، لعله يجد فيها مجالاً لنشر الدين الجديد.
وفي الطائف التقى رسول الله(ص) بالزعماء وأصحاب النفوذ فلم يجد منهم إلا كما وجد من زعماء قريش، بل اكثر، فقد سبّوا حبيب الله، وشتموه، وسلطوا عليه الصبيان يرشقونه بالحجارة، حتى أدموا رجليه وشجّوا رأسه الشريف، وكان (ص) يقول: "إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي".
ورجع النبي(ص) إلى مكة، وراح يلتقي وفود القبائل التي كانت تأتي للحج، ويعرض عليهم الإسلام، ويتلو عليهم من القرآن الكريم، فيسلم بعضهم ويعودون إلى يثرب يدعون إقاربهم وأصحابهم إلى الإسلام، حتى انتشر الدين الجديد في قومهم، فجاؤوا في العام التالي وبايعوا النبي في العقبة.
وأسرى الله بحبيبه محمد(ص) ليلاً من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصا في القدس الشريف، وعاد النبي صباحاً يحدث بما رآه أثناء رحلة الإسراء، واجتمع المشركون عليه يسألونه أن يصف لهم المسجد الأقصا، فيصفه لهم وصفاً دقيقاً. ثم إنه أخبرهم عن قافلة سوف تصل إليهم عند طلوع شمس اليوم التالي.
وتحقق ما أنبأ به الرسول الكريم، ولكن المشركين جحدوا وأصروا على مضايقاتهم للمسلمين، فأمر رسول الله(ص) أصحابه بالهجرة إلى يثرب التي عرفت فيما بعد بمدينة الرسول.
الهجرة إلى يثرب :
عرف المشركون بهجرة أصحاب النبي(ص) إلى يثرب، فتآمروا ليقتلوا النبي(ص) ليلاً، وأنبأ الله حبيبه بما يبيّته المشركون، فأمر(ص) الإمام علي بن أبي طالب(ع) بالمبيت في فراشه، لإيهام المشركين بأن النبي باقٍ في مكة، ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه خرج ليلاً يرافقه أبو بكر، قاصدين يثرب، وفي الطريق لجأ إلى غارٍ أمر الله سبحانه العنكبوت أن تنسج خيوها على بابه وأرسل حمامة باضت على تلك الخيوط، حتى بدا الغار وكأنه مهجور منذ زمن بعيد.
وعند الصباح، وبعد ما أفشل الله خطة المشركين لقتل حبيبه محمد، وعلموا بخروجه من مكة، لاحقوه إلى خارجها، ولكنهم لم يعثروا له على أثر، حتى وقفوا على باب الغار متحيرين لايعرفون في أي جهة يبحثون، والنبي(ص) وأبو بكر في الغار، وقد تسرب الخوف والحزن إلى قلب أبي بكر، فقال له النبي(ص): (لاتحزن إن الله معنا).
ووصل رسول الله(ص) إلى قبا بالقرب من يثرب، وانتظر قدوم علي بن أبي طالب مع بعض النسوة، وفيهن الزهراء بضعة الرسول(ص)، ودخل الجميع المدينة (يثرب) وهناك بني النبي مسجده المبارك، وخصّص أمكنة لسكن أصحابه، وآخى بينهم وبين الأنصار، وأشاع مفهوم الأخوة في الله بقوله(ص): "إنَّ الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء... أنتم بنو آدم وآدم من تراب".
واتخذ النبي(ص) ابن عمه علي بن أبي طالب أخاً له قائلاً: "أنت أخي في الدنيا والآخرة" وراح (ص) يمارس في المسجد العبادة والاجتماع وإدارة شؤون الأمة والفصل في الخصومات، ووضع الخطط العسكرية، والتعليم وغيرها من الأمور.
عاشقة حيدر
03-15-2008, 11:39 PM
معارك النبي وغزواته
معركة بدر :
كان اليهود يعيشون في المدينة فهادنهم النبي(ص) حتى يتفرع لبناء دولة الاسلام، ونشر الدين الجديد، وفي السنة الثانية للهجرة المباركة، وبعد أن وطّد رسول الله(ص) أركان الدولة، سعى لمحاربة المشركين، فالتقاهم عند بئر بدر حيث دارت بينه وبينهم معركة بدر الكبرى التي استغاث خلالها المسلمون بربهم، فأغاثهم كما حكى ذلك القرآن الكريم: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين).
وخسر المشركون أيما خسارة، ومرّغ المسلمون أنف قريش بوحل الهزيمة.
معركة أُحد :
شعر اليهود والمنافقون بأن المسلمين ازدادوا قوة بعد انتصارهم في بدر، فأخذوا يتحرشون بهم في المدينة، وقد خافوا على سلطانهم وزعاماتهم. ولما ازدادت تحرشاتهم، حذرهم النبي(ص) فاستكبروا، مما اضطر الرسول الكريم لمحاربتهم وإخراجهم من المدينة.
أما قريش فلم تتعظ من معركة بدر، فأخذت تعد العدة لمعركة جديدة، فأمر النبي(ص) أصحابه بالخروج إليهم، ودارت بينهم وبين المسلمين معركة في جبل أُحد بالقرب من المدينة، أدّت إلى هزيمة المسلمين وإضعافهم، وتشجيع الأعداء عليهم، وأفسح في المجال لليهود، لحبك مؤامراتهم ودسائسهم.
فقد خرج زعماء اليهود إلى مكة، وحرضوا المشركين على قتال المسلمين، وراحوا يقولون للمشركين: "دينكم خير من دين محمد، وأنتم أولى بالحق" فأنزل الله فيهم: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا).
معركة الأحزاب (الخندق) وصلح الحديبية :
واصل اليهود تأليب قبائل العرب على النبي والمسلمين فأقنعوا بني فزارة، وأشجع، ومرة، وبني سعد، وبني أسد وغيرهم، بمحاربة النبي وأصحابه، فاجتمع عشرة آلاف منهم تحت راية أبي سفيان...
علم النبي(ص) بالأمر، فتشاور مع أصحابه، فأشار سلمان الفارسي قائلاً: "إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا" فاستصوب النبي رأي سلمان وبادر مع أصحابه إلى حفر خندق على عجل، حتى أنجزوه في ستة أيام، وعسكروا على مقربة منه، وعسكرت الأحزاب من المشركين واليهود في الجهة المقابلة، دون أن يجرؤوا على اقتحامه.
وطال الحصار، فبدأ السأم والملل يتسربان إلى نفوس المشركين، وأرادوا العودة إلى مكة، فعرف اليهود بذلك، فتوجه زعيمهم حيي بن أخطب إلى يهود بني قريظة في المدينة، وأقنعهم بأن ينقضوا ما كانوا عاهدوا النبي عليه، ويدخلوا الحرب ضده مع المشركين.
عرف الرسول(ص) بالأمر فأرسل وفداً من المسلمين ليتأكد منه، ولكن اليهود أساؤوا الأدب مع الوفد، وراحوا يشتمون النبي ودينه،... واستبدّ الفزع بالمسلمين: (وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر) وبدأ هجوم الأحزاب، فعبر عمرو بن عبد ود العامري الخندق مع نفر من المشركين، فتصدى له علي بن أبي طالب(ع) وأرداه قتيلاً، وبعد مقتل عمرو تطور سير المعركة، وامتنع اليهود عن مساعدة المشركين خوفاً وهلعاً، فاستولى الرعب على المشركين وولوا الأدبار هاربين.
إنتصر المسلمون، ولم تعد قريش تفكر بمهاجمتهم، وظلَّ اليهود يتحينون الفرص للغدر وطعن المسلمين من الخلف، فما كان من النبي إلا أن حاصر بني قريظة، وقضى عليهم بعد حصار دام خمسة عشر يوماً، ثم إنه (ص) عقد مع قريش صلح الحديبية لمدة عشر سنوات، ليتفرد بيهود خيبر الذين كانوا يعدون العدة للإنقضاض على المسلمين وهكذا تمّ للنبي (ص) ما أراد من القضاء على اليهود، وضمان حرية المسلمين في الحج إلى بيت الله في مكة.
فتح مكة :
إستتبّ الأمر لرسول الله(ص) فبدأ بمكاتبة ملوك الدول المجاورة، فكتب إلى قيصر ملك الروم، وكسرى ملك فارس، وزعيم الأقباط بمصر وإلى النجاشي ملك الحبشة، والحارث الغساني ملك دمشق وإلى ملك صنعاء، وملك عُمان وملك البحرين، وغيرهم، فمنهم مَن استجاب لدعوة الله ورسوله إلى الإسلام كالنجاشي ملك الحبشة، وملك البحرين وملك اليمن، ومنهم من رفضها علواً واستكباراً، كملك الروم وملك الفرس وملك دمشق.
وبعد انتشار الاسلام بين العرب وغيرهم، اعتدت قبيلة محالفة لقريش على قبيلة محالفة للنبي(ص) فقرّر النبي مقاتلة القرشيين فاستولت المخاوف عليهم، وأرسلوا أبا سفيان لتدارك الأمر، وتقوية العهد مع المسلمين، فلم تفلح جهود أبي سفيان، وعاد يجرجر أذيال الخيبة والخسران.
وأرسلت قريش عم النبي(ص) العباس بن عبد المطلب، ليستطلع الأمر، وكان العباس (رض) يبطن الاسلام ويتظاهر بالكفر، فعاد إليهم قائلاً لهم: هذا محمد قد جاءكم بما لاقبل لكم به، فقال أبو سفيان: فما ترى؟ قال: تطلبون الأمان من محمد.
قدم أبو سفيان ثانية ومعه العباس على النبي(ص) يطلبان الأمان لقريش، فعرض عليهما الإقرار بأن: لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلم يكن أمام أبي سفيان إلا الإقرار.
وأعلن رسول الله(ص) أماناً عاماً لأهل مكة: "مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن"، ثم إنه (ص) دخل مكة ووقف على باب الكعبة قائلاً: "لا إله إلا الله وحدة لاشريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده... يامعشر قريش، ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً... أخٌ كريم وابن أخٍ كريم! فقال(ص): أقول كما قال أخي يوسف: (لاتثريب عليكم اليوم يغفر لكم وهو أرحم الراحمين) إذهبوا فأنتم الطلقاء.
وهكذا فتح رسول الله (ص) مكة، وبادر إلى تكسير الأصنام وهو يتلو قوله تعالى: (جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا).
معركة حنين :
بلغت أصداء نصر المسلمين في مكة قبيلة هوازن، وعلموا أن النبي(ص) سيتوجه لفتح الطائف، فنظّم زعيمهم جيشاً كبيراً لصدّ المسلمين واتخذوا مواقع لهم على قمم جبال حنين، وعند مضيق الوادي، وفاجأوا النبي وجيشه بالنبال، فاستولى الرعب على قلوب الكثيرين من المسلمين ففروا راجعين، ولم يبقَ مع النبي إلا عليّ بن أبي طالب(ع)، والعباس بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد، ونفر من بني هاشم.
وتحول النبي وأصحابه إلى الهجوم، وقاتلوا ببسالة نادرة، وثقةٍ بنصر الله لاتتزعزع، فانهزم بنو هوازن، ودخل النبي ومن بقي معه الطائف، حيث أعلن زعيم هوازن مالك بن عوف إسلامه وتتابعت جموع هوازن لاعتناق الإسلام، فردّ النبي عليهم أموالهم وأطلق أسراهم، ثم إنه(ص) واصل مسيره إلى مكة حيث قضى فيها عمرته وعاد إلى المدينة المنورة.
وإغتنم الروم فرصة انشغال النبي والمسلمين في المعارك الداخلية، فراحوا يجهزون الجيوش لغزو الأجزاء الشمالية من الجزيرة العربية، فما كان من النبي(ص) إلا أن استنفر المسلمين، وسار بنفسه على رأس جيش لقتال الروم، فما أن وصل إلى تبوك على الحدود الإسلامية الرومانية حتى هربت جموع الروم وولّوا إلى داخل بلادهم.
وعاد رسول الله (ص) إلى مدينته المباركة، فأنزل الله سبحانه عليه سورة التوبة، يفضح فيها المنافقين والمتواطئين معهم، ويكشف خططهم للنيل من الاسلام والمسلمين، فأمر النبي(ص) علي بن أبي طالب (ع) بتبليغها في مكة، ثم إنّه (ص) أمر بإحراق مسجد الضرار الذي كان المنافقون قد بنوه قاعدة للنفاق، وبذلك طويت آخر صفحة للشرك في مكة المكرمة في تلك الأيام.
إلى الرفيق الأعلى :
حلَّ موسم الحج من السنة العاشرة للهجرة المباركة، فدعا خاتم الأنبياء (ص) الناس إلى الحج، وسار بهم قاصداً حجَّ بيت الله الحرام، وبعد أن أدوا مناسكهم وتوجهوا إلى عرفة، وقف حبيب الله فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وقال: "أما بعد أيها الناس... لاأدري لعليّ لا ألقاكم بعد عامي هذا... إنّ دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد... أيها الناس إنما المؤمنون إخوة، ولايحل لامرئٍ مال أخيه إلا عن طيب خاطر، فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنه نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض..أيها الناس إن ربكم واحد، وأباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب".
وفي طريق العودة إلى المدينة نزل الوحي على رسول الله(ص): (يا أيها النبي بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته)، فاستوقف النبي الناس عند غدير خم ووقف على أعواد نصبت له، بحيث يراه جميع الحاضرين، وأخذ بيد علي بن أبي طالب(ع)، وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، يوشك أن أدعى فأجيب... أيها الناس إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين... فمن كنت مولاه، فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه كيفما دار..."، فقال عمر بن الخطاب: "بخٍ بخٍ لك ياعلي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة".
وعاد خاتم الانبياء(ص) إلى المدينة، وراح يجهز الجيوش للفتح، ولكن المرض داهمه، واشتدّ عليه، ولم يلبث أن انتقل إلى جوار بارئه، ودفن في الحجرة التي توفي فيها.
وهكذا خسرت الانسانية بوفاة حبيب الله، شخصيَّةً ملأت الدنيا نوراً وعطاءً، فسلام على خاتم الانبياء حبيب الله محمد وعلى آله الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.
انتظرونا مع قصة جديدة لنبي من انبياء الله تعالى
تحياتي الحيدرية
عاشقة حيدر
أميرة القطيف
03-16-2008, 08:07 AM
مشكورة اختي على هذه القصص ..
بانتظار البقية..
جزاك الله خيرا
مشكورة اختي عاشقة حيدر .... موضوع ممتاز ...
زلزال
03-17-2008, 01:34 AM
مشكورة عاشقة
sweet girl
03-17-2008, 10:11 AM
تسلمي حبيبتي عاشقة عالقصص
من المتابعين لكم
تحياتي
عاشقة حيدر
03-17-2008, 03:05 PM
مشكورة اختي على هذه القصص ..
بانتظار البقية..
جزاك الله خيرا
السلام عليكمـ
الشكر الك صدى على المرور....وان شاء الله قريبا سأضيف قصة جديدة
تحياتيـ
عاشقة حيدر
03-17-2008, 03:12 PM
مشكورة اختي عاشقة حيدر .... موضوع ممتاز ...
السلام عليكمـ
الشكر الك ابو آية على المرور الكريم
تحياتيـ
عاشقة حيدر
03-17-2008, 03:13 PM
مشكورة عاشقة
السلام عليكمـ
هلا زلزال...مشكور على المرور
تحياتيـ
عاشقة حيدر
03-17-2008, 03:15 PM
تسلمي حبيبتي عاشقة عالقصص
من المتابعين لكم
تحياتي
السلام عليكمـ
هلا سويت ....منورة الموضوع....مشكورة على المرور وعلى المتابعة
تحياتيـ
عاشقة حيدر
03-21-2008, 01:54 PM
اللهم صلي على محمد وال محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قصتنا هذا الاسبوع :
لنبي الله النبي أيوب عليه السلام
ذوالبلاء
* حديث أملاك
كان هذا حديث ملائكة في ملئهم الأعلى:
- لله هذا العبدُ الصَّالحُ، أيوبُ..
لقد أنعمَ الله عليه بالأموال الكثيرة، من قطعان إبل، وخيلٍ، وشياهٍ، وأُتُنٍ، تسرحُ في الفلاة ترعى، فتغطّ لكثرتها، الفلاة..
وتموج باعدادها الوهاد والهضابُ..
وعبيدٌ كثيرون يقومون برعايتها، والعناية بها.. وخدمٌ عديدون، يروحون، ويجيئون!..
ومع ذلك، فلم تُبطر النّعمةُ أيوب، ولم يبخل بما آتاه الله..
فبابه مفتوحٌ للرائح ولاغادين ويده مبسوطةٌ تعطي بلاكدرٍ (أي: منٍّ) ولاحسابٍ!.. لم يطرقه سائل إلاّ أغناه،.. ولم يقصده محتاجٌ إلاّ كفاه!..
شعاره: مال الله لعبيد الله.. وما جعلني الله على هذا المال إلاّ قيّما، لامالكاً له، ولاخازناً!.. إنّه أمانة عندي أؤديها إلى خلقه.. وليس لي في ذلك كلِّه حولٌ ولاطول، بل، بحولِ الله وقوّته، يتمُّ ذلك، ويكون!..
فتبارك الله: ماأطيبَ نفسَه، وأجملَ خُلُقَه، وأسمحَ يده!..
ويُردِفُ ملاكٌ آخرُ:
- وكان من تمام النّعمة عليه، أن رزقه الله أ,لاداً.. فكانوا سبع بناتٍ، ومثلهم من البنين!. فهم له قُرّةُ عينٍ، وعونٌ على المعروف يسديه، والإحسان يؤدّيه..
يراهم، بين يديه، كراماً بررةً، فيحمد الله ويشكرهُ على ماحباه من ولد صالحٍ!.. ويخاف عليهم الزّيغ، والعُجب، والتّكبُّر.. فيدهوهم إلى مراقبة الله في كل خطوةٍ، ومقالٍ، ويذكّرهم بأنّ عين الله ترى، وبأنه يعلم السرَّ وأخفى!.. ويطيبُ بهم خاطراً، وقد انتهجوا سبيل الهدى والرّشاد.. فيسجد لله شاكراً له وافرَ النّعماء، والحُسنى!..
ويتابع ملاك ثالث:
- وكان أن زاده الله من فضله، بأن رزقه صحّةً وفتُوَّةً.. فشبابه يتفجّرُ بالعزم والعافية..
وشكرَ الله أيوبُ، بأن اتّخذ من شبابه وسيلةً لمرضاة الله، وسبيلاً لطاعته، صارفاً ماعمر الله جسده من طاقةٍ، في سبيل الخير والإحسان،.. وإعانة الضعيف، وإغاثة المحتاج، آخذاً بيد هذا، مسدّداً خطو ذاك، فلم يعرف الكبرُ إلى نفسه سبيلاً، ولم تأخذه العزّة بما حباهُ الله من قوّةٍ. فقوّته من الله، وإليه..
ويتّفقون فيما بينهم:
ليس على وجه الأرض، عبدٌ، كأيوبَ، صالحٌ..
إنه نعمُ العبد،.. إنه أوّاب!..
وكان إبليسُ -يحيط به بعضُ أتباعهِ وجنده- قريباً من السّماء، يسترقُ السَّمع، فيسمع تحادث الأملاك، فيعجب من أيوب غاية العجب، ويقول في نفسه:
- يظهرُ أن زينة الدنيا، وبهرجها، وزُخرفها، لم تطغ أيوب، ولم تستطع إغواءه، فهلاَّ ابتلاه الله؟..
فمِمّا لاشكّ فيه أنّ زوال النِّعمة عن الإنسان، داعيةٌ للكفران بعد الإيمان!..
* ابتلاء أيوب في ماله
ويرفعُ إبليس رأسه هاتفاً:
- إي ربَّ!.. لقد أعطيت أيّوبَ مالاً لاتغيبُ عنه الشّمسُ.. فلو قضى عمره في سجدةٍ واحدةٍ لك، لم يوفّك حقّك في ماحبوته إياه..
فهلاّ ابتليته في ماله؟.. وأصبته في ثروته؟.. إذاً، وحقّك، لتغيّر، وفترت عبادتُه، وقلّت طاعتُه، وانقطع إحسانُه..
ويأتيه الجوابُ من علِ:
- عبدي أيوب لم تُبطرهُ النّعمةُ حتى يجزع من النّقمة،..
فاصنع، وجندَك، مابدا لك في أمواله،.. قد أبَحنا لك ذلك، وسترى، بعد ذلك، صدق عبادة عبدي الصَّالح أيوب!..
وينطلق إبليس وجندُه إلى مال أيوب، وقد انتشر في البراري والفلوات إبلاً، وخيلاً، وشياهاً، وأتُناً، حتى غطّى وجه الأرض،.. وينقضُّون عليها، فإذا هي مجندلةٌ، على وجه الأرض، صرعى!.
وارتاع الرُّعاة لما رأوا..
وأخذهم العجبُ من هذا الوباء الوبيل الذي فتك بالقُطعان هذا الفتك الذّريع!..
وانطلقوا إلى سيّدهم أيوب، مهرولين، صائحين.. وأخبروه بمآل أمواله..
فأجابهم- وقد افترَّ ثغرُه عن ابتسامةٍ-: لاعليكم!.. مالُ الله، يفعلُ الله به مايشاء!..
وقعد أيوبُ في بيته، وكأنَّ شيئاً لم يكن!..
فلم تَفُتَّ في عزمه المصيبةُ، وقد تحوّل بين عشيّة وضُحاها من ثريٍّ كبيرٍ إلى مسكينٍ فقيرٍ،..
بل حمد الله على ماأصابه، كما كان يحمدُه على ما أعطاه!..
وظهر إبليسُ لأيوب، في هيئة شيخٍ حكيم، قد عجمت عودة الأيام (كناية عن تجاربه الكثيرة) وحنّكته التّحاريب.. فسلّم على أيُّوب بوفارٍ، وقال له:
- مافعل الله بك ياعبد الله؟..
فأجابه:- إنه الله الفعّالُ لما يريدُ!.
- أرأيت لو كان الله أثابك على ما دأبت عليه من الصّلاة وأعمال البرّ لما أصابك في مالك ما أصابك!.
- صه!.. أيها الشيخُ.. إنما تنطق بلسان الشَّيطان..
وخرَّ إبليس إليه، وهو كذلك، فقال في نفسه:
- واحسرتاه، سجدَ فرَشد، وأبيتُ فغويتُ!..
ثم تولّى على عقبيه، ندمان، حسران، خزيان!..
وهكذا لم يهن أيوبُ أمام مصيبته في ماله، بل تماسك، وتجلّد، صابراً محتسباً، ولم يفتُر لسانه عن تسبيح الله، وشكره على آلائه (أي: نعمة)، أبداً..
* ابتلاء أيوب في أولاده وخدمه
واتّجه إبليسُ بنظره إلى السّماء، هاتفاً من جديد:
- إي ربِّ!.. لقد أصبتَ أيوبَ في ماله، فما انفكَّ عن ذكرك وما انقطع عن شكرك، وما ذلك، إلاّ لأن بين يديه أولاداً كثُراً، من بنين وبناتٍ، يفعلون بأمره، ويقومون بما يريد.. بالإضافة إلى خدم كثيرين، طوع إشارته.. فهم عُدّته إذا اشتدَّ الزمان، وعضّته المصيبة.. فهلاً ابتليته في من حوله من خدمٍ وأولاد؟.
ويأتيه النداء من فجاج الغيب:
- أنا الله السميع البصير، الخبيرُ بعبدي الصّالحِ أيوب، الذي لايعرفُ الجزعُ إلى قلبه سبيلاظً..
فأجلب على من عنده من أولادٍ وخدمٍ، بخيلك ورجلك، باستثناء زوجه "ليا".. واصنع ما بدا لك!..
وهبَّ إبليس، وبعضُ جنده من المردةِ العُتاة، والشياطين العصاة، يتربصون بأبناء أيوب، وخدمه، الدّوائر..
وماهي إلاّ سويعات، حتى أخذ أولادُ أيوب، والخدمُ، يتوافدون إلى القصر، للاجتماع فيه، وتمضيه جزء من النّهار، وتناول طعام الغداء، معاً..
وانتظر إبليسُ، ومن معه، حتى تكامل عقد المتوافدين، وتمَّ عددهم،..
وبينما هم كذلك..
وإذ بإبليس وجنده ينقضُّون على أسس القطر، وركائز أعمدته، فيزلزلونها زلزالاً شديداً،.. وماهي إلاّ لحظات، حتى تهاوى القصر على من فيه وتحوّل إلى ركامٍ وأنقاضٍ!..
وعلت الصّرخةُ..
وسُحبت الجثثُ من تحت الأنقاض أشلاءً، أشلاء..
وأتى الصّارخُ أيوب -وكان عنهم بعيداً-:
-:هلُمَّ ياأيوبُ.. لقد تداعى القصرُ على أبنائك وخدمك المجتمعين فيه.. فهم جميعاً، صرعى!..
عظَّم الله أجرك فيهم، جميعاً!..
ولم يصرخ أيوب.. ولم يجزع، ولكنه أطرق إلى الأرض قليلاً، وقد سالت على خدَّيه دمعة حرّى، أخذ يكفكفها بطرف كمِّهن وهو يقول:
إنّا لله، وإنّا إليه راجعون!.
وصرخت زوجَه ليا بنت يعقوب النبي، وولولت، وانتحبت.. فدعاها أيوبُ إلى التَّصبُّر،.. فما لبنات أنبياء نبي إسرائيل، والجزع؟..
وعاد أيوبُ إلى منزله، بعد ساعةٍ،.. بعد أن شيَّع أولاده وخدمه جميعاً إلى مثواهم الأخير.. وهو مايزال يذكرُ الله ذكراً كثيراً..
ولم يبق له من الدّنيا إلاّ هذه المرأةُ الصالحةُ، التي طفح وجهُها بالحزن والأسى..
وأتاه إبليس في زي شيخ وقورٍ، معزِّياً،... فالكلُّ إلى زوالٍ!..
والتفت الشيخ إلى إيوب، وكأنه يتساءل، موسوساً:
- تُرى، ...أما كان لصلاتك، وشدة تعبُّدك لله، أن يدفعا عنك هذا المُصابَ الجلل، والرُّزء الفادح؟..
أعانك الله على ماأنت فيه من الأمور العظام، والخطوب الجسام!.. ثم،.. أإلى هذا الحدِّ يتخلَّى الله عند عبده المؤمن الذي لايفتُرُ عن ذكره، في قيامٍ وفي قعودٍ، وفي جيئةٍ وفي ذهاب!..
ورمقهُ أيوب بنظرةٍ شزْرٍ، كملتهب الشّرر:
- إليك عني أيها الشيخ.. هلاَّ ذكرت الله في قولِك؟
وهل كان مالي إلاّ وديعةً استودعنيها الله؟
وهل كان أولادي إلاّ عاريةً (أي: وديعة) مستردَّة؟
فمن حقِّ الله المعطي، أن يستردَّ ماشاء متى شاء!..
ويخرُّ أيوبُ ساجداً لله، وهو يتمتم: -ربِّ.. لك الحمدُ والشكرُ، في الضرّاء، كما في السرّاء!..
فتولى عنه إبليس مغيظاً، محنقاً، وهو يكاد يتميَّزُ غيظاً!..
وأخذ إبليس يقلِّب كفيهِ..
فمن أين يأتي أيوب؟..
عاشقة حيدر
03-21-2008, 01:57 PM
* ابتلاء أيوب في بدنِه
وانتبه إلى صحة أيوب وما لهُ من نشاطٍ جمٍّ..
فأيوب ممتلئ الجسم صحةً وعافيةً.. له جسمُ الرِّجال الرِّجال، وعزمُهم الشديد!..
فتوجَّه إلى السماء قائلاً: - إي ربِّ.. لقد سلبتَ أيوبَ أمواله كلّها، فما لانت له قناةٌ، ولاوهنت له عزيمةٌ.. وحرمته أولاده وخدمه أجمعين، فما كان ذلك ليؤثر عليه من قريبٍ أو من بعيدٍ..
وإني أراه معتمداً على قوَّته، معتداً بفتوته.. فهو فارع الطُّولٍ، متينُه، عريضُ المنكبين، شديدُهما؛ مفتولُ السّاعدين، قويُّهما..
فهلاّ ابتليته في جسده وصحته، وأصبتَه في قوته وهمَّتِه؟..
ويأتيه الجوابُ من علٍ: إنَّ عبدي أيوبَ نِعم العبدُ الصَّابرُ على مايصيبُه..
لقد سلطتك على جسده، وأبحتك بدنه، فأجمع له ما استطعت من أمرك، وكد لهُ ماشئت من كيدك، فما أمرُك إلاّ في ثباتٍ!..
ويكرُّ إبليس وجندُه، على أيوب الفرد، الصِّفرِ اليدين، ويأتونه من كل جانبٍ، وينفخون في جسده من خبيثِ أنفاسِهم، فيقعُ عليلاً، منهوك القوى.. وتنتشر في بدنه العِللُ والأمراض، فيمتلئ قروحاً وجروحاً ملتهبات!.
ويبقى على هذا الحال سنين.. وتُبرِّحُ به الأوجاعُ والآلام، والعِللُ والأسقامُ.. ولا من طبيب، ولامن دواءٍ؟.. وهكذا أصبح بدنهُ مرتعاً لكلِّ علَّةٍ، ومسرحاً لكلِّ داءٍ خبيثٍ!..
ويعودُه بعضُ النَّاس..
- ماتشكو ياأيوب؟.
- إلى الله أبثُّ شكواي ونجواي، وهو وحدّه الخبيرُ بما أنا فيه..
وسرعانَ ماينفض عنه الناس، ويتحامونه.. فريحُهُ كريهٌ، لايُحتمّل،.. ومنظرُ جسده يبعث على الغثيانِ!..
ويودِّعونه، ويودعون زوجَهُ ليا بنت النبي يعقوب، التي كانت تتعهَّدُهُ، بعطفٍ وحنانٍ، وتقومُ على خدمتِه خيرَ قيامٍ!..
وأخيراً انقطع عنه الناسُ، وتحاشَوا لقاءه، وتجنَّبوا عيادته.. إذ قد امتدّت به المحنةُ، وأصابهُ الجهدُ، وأوغل في عروقه ومفاصله الدّاءُ العُضالُ..
وكان أيوب يعاني ذلك كلّه معاناة الصّابرين المحتسبين.
وظلّ، كعادته، منشغلاً بالله عمّن سواه من العالمين.. شاكراً إياه على كلِّ حال!..
أما إبليسُ فكان يرى ذلك كلَّه، فيشتدُّ غيظاً، ويستعِرُ حنَقاً،.. ويدمدم: لم أرَ في حياتي رجلاً مبتلىً كلَّ بلاءٍ، يصبُر، كأيوب!..
ويجمع حوله رهطاً من جنوده،..
- مالعملُ، بعدما رأيتم من أمر أيوب؟.
- لقد أُسقط في أيدينا (كنايةً عن العجز) بعدما رأينا أيوب يصبر هذا الصبر الذي لاحدود له..
- حقاً إن صبرَ إيوب لعجيبٌ.. لقد ابتُليَ البلاءَ تلو البلاء، لو أصاب بعضُها الجبال لدكَّها..
- إنه ليحزنني أن نفشلً كلُّنا في هذا الأمر، وقد نجحنا في ماهو أشدَّ منه، وأدهى..
- ولكن، قال لي، سيدنا،.. كيف أخرجت آدم من الجنَّة؟.
- بواسطة زوجه حوَّاءَ..
- إذاً، فلنحاول جُهدَنا، أن نأتيَ أيوبَ من قِبَلِ زوجِه ليا..
- وهو ماتقولُ..
وينصرفون..
* إبليس وزوج أيوب
وفي الصباح الباكر، يظهر إبليسُ لزوج أيُّوبَ، ليا، بصورة طبيب..
ويسألها عن زوجِها..
فتجيب: لاهو حيٌّ فيُرجَى، ولاميِّتٌ فيُعزَّى به..
وتدعوه لمداواة أيوب..
فيجيبها: أداويه، ضامناً شفاءه ممَّا يكابدُ من داءٍ وسقمٍ، ولكن بشرط، لاأريد جزاءً سواه..
قالت: وماهو؟
قال: أداويه.. على أنه إذا برئ، يقول لي: أنتَ شَفيتَني!..
قالت: نعم!..
وأسرعت ليا إلى أيوب، قائلةً له، وكأنها تستَرحِمُه:
- ياأيوب.. لقد طال مرضُك، وامتدَّت معاناتك،.. وهذا طبيب يزعم أنه يشفيك من كلِّ ماتعاني منه، من أوصابٍ وأسقام!..
- عليَّ به، ياليا..
- ولكنه أخذ عليَّ عهداً، واشترطَ شرطاً..
- مايقول؟..
- يقول: إنه يداويك، فإذا برئت تقول له: أنتَ شفيتني.. لايريد جزاءً سواه..
ويحتقن وجهُ أيوب، فبدا رهيباً،.. ويصرخ بوجهها كالملسوعِ:
- أغربي عن وجهي.. قبَّحَ الله ماترين..
أولم تسمعي قول جدِّك إبراهيم خليل الرَّحمن:
(الّذي خلقني فهو يهدين. والّذي هو يُطعمني ويسقين. وإذا مرضتُ فهو يشفين. والّذي يُميتني ثمَّ يُحيينِ.)..
ويتابع قوله لها بصوتٍ هدَّار، وهو يتوعدها بأليم العِقاب:
- والله، إن منَّ الله عليَّ بالسّلامة ممّا ابتلاني به، لأجلدنَّك مائة جلدةٍ جزاء ما نفث الشيطانُ على لسانك، وما وسوس لك به إبليسُ، مزيِّناً لك الكفرَ بالله، والشِّرك بعبادته..
وتنصرف ليا من أمام وجه زوجها الذي اشتعل غضباً..
وترى الطبيب، وكأنه كان يسمعُ تحاوُرَهما،.. فما أن رآها عائدة، مكسوفةً، حتى نكَصَ على عقبيهِ، وتولَّى عنها، مدمدماً، غضِباً..
وماهي إلاّ ساعة، حتى تعود ليا لما فُطِرَت عليه من إيمان، فتستغفر الله، وتعتذرُ إلى زوجِها، وقد رقَّ قلبُها له، فهي لاتبغي من وراء ذلك كلِّه إلا شفاءه..
وتتودَّد إليه، وتتلطَّف، وتتعطَّف، فيُقبل عليها بوجهه،..
وتنظر إليه باهتمام عطوف، وحدبٍ حانٍ، وقد ترقرقت في عينيها جمعة، وتقول له، برقَّةٍ، وكأنَّها تهمسُ في أذنه:
- ماعهدتُك، ياأيوبُ، إلاّ صبوراً على الشَّدائدِ، جلداً على الأحداث والمِحَن.. وقد اصطفاك الله، من بين قومِك، نبياً،..
فهلاَّ سألتَ الله أن يمسَحَ ضُرَّكَ، ويكشفَ عنك هذا البلاءَ، ويُنقِذكَ من لُجَج هذه الأسقام؟
إني لأراه، إن فعلتَ، استجابَ!..
- وكم مضى عليَّ في مرضي ياليا؟..
- سبعُ سنين..
- وكم مضى عليَّ، قبلَ ذلك، من عمري الذي عشته معكِ، في نعمة عيشٍ وارفٍ، ودعةِ بحبوحةٍ، ورغد..؟..
- ثمانون..
- إني لأستحيي من الله، أن أسألَه كشفَ مابي من البأساء، ولم أصبر، بعدُ، على معشارَ ما حباني به من النَّعماء..
وتنصرف ليا شاردة النظرات..
وينطل أيوب سمجِّد الله، ويسبِّحه، ويقدِّسه، ويشكره، كثيراً..
* بُرْءُ أيوب
وتجرُّ أيوبَ قدماه بجهدٍ، وإعياءٍ، شديدين، إلى ظاهر بيته، في البريَّةِ، يُسَرِّح نظره في الآفاق، وقد اكتست الطبيعة حلةً خضراء خضراء.. مرصَّعةً بالزهر من كلِّ لونٍ.. ويأخذ مجلسه على التراب النديِّ، فتباركَ الله أحسن الخالقين..
هناك: (نادى ربَّه أني مسّنيَ الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الراحمينَ)
وألقى في روعِ الملتلى الصابر: أن اضرب بقدمِكَ الأرض.. ففعل.. فانفجرت منها عين ماءٍ دافقة، وقيل: بل نبعت عينان:
فاغتسل في إحداهما، وشرب من الأخرى..
وتمطَّى قليلاً، وتثاءب.. وكأنّه فُكَّ من عِقال..
ونظر إلى جسده، فإذا به قد عوفي من كلِّ داءٍ وسقم..
وإلى فتوته.. فإذا هو بعزيمةِ إيّام الشباب!..أيتم
فأسرع إلى منزله، وهو يكبِّر الله، ويحمده، وارتدى ثياباً كان قد خلعها منذ سنوات..
ولما عادت زوجه إلى البيت، ارتاعت.. ففي البيت رجلٌ غريب..
وحدَّقت النَّظر فيه مليَّاً، فناداها، .. فعرفته من صوته.. إنه زوجها أيوب..
فصرخت فرحاً، وقد ملأت عليها المفاجأة المذهلةُ كلَّ وجدانها.. وأسرعت إلى زوجها تعانق خدَّيه الملتمعين بالعزم، ورواء العافية.. إنها لتكاد تطير فرحاً.. فسبحان من يحيي العظام وهي رميم!..
وغفر الله لها زلَّة لسانها، في موقف ضعفٍ، جزاءَ حسنِ تعهُّدها أمور زوجها في الشَّدائد المهلكات..
وأوحى الله تعالى إلى أيوب: أن أجمع حزمةً من شماريخ العشب، وقضبانه الهشَّةِ، تبلغ مئةً، واضرب بها زوجك ليا، ضربةً ليِّنةً واحدةً، تبرَّ يمينُكَ.. ففعل!..
وشاء الله تعالى إلاّ أن سكاف أيوب بمزيد من الحسنى، ويجزيه الجزاء الأوفى.. فأحيا له جميعَ من هلَك من ولده وخدمه، ومثلَهم معهم، ممن كانوا قبل البليَّة وخلالها وأعاد له جميع ما فقد من مالٍ، مضاعفاً، مباركاً.. تكرماً منه وتحنُّناً.. وتذكرةً وموعظةً لأولي الألباب!..
ويذكر الله الصابرين الذين يزيدهم من فضله، ويوفيهم أجورهم بأحسن ماعملوا، بأن لهم عقبى الدار..
ويذكر الناسُ الصّابرين، فيقولون: صبرٌ.. ولاصبرُ أيوبَ!..
الى اللقاء مع قصة جديدة
تحياتي الحيدرية
عاشقة حيدر
عاشقة حيدر
04-02-2008, 09:53 PM
..::النبي آدم عليه السلام::..
ابوالبشر
علة خلق آدم (ع ) :
يروى أن الأرض كانت، قبل خلق آدم (ع)، معمورة بالجن والنسناس والسباع، وغيرها من الحيوانات، وأنه كان لله فيها حجج وولاة، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وحدث أن طغت الجن وتمردوا، وعصوا أمر ربهم. فغيروا وبدلوا، وأبدعوا البدع، فأمر الله سبحانه الملائكة، أن ينظروا إلى أهل تلك الأرض، وإلى ما أحدثوا وأبدعوا، إيذاناً باستبدالهم بخلق جديد، يكونون حجة له في أرضه، ويعبد من خلالهم.
ثم إنه سبحانه وتعالى قال لهم: (إني جاعلٌ في الارض خليفة). فقالوا: سبحانك ربنا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) كما أفسدت الجن؟ فاجعل الخليفة منا نحن الملائكة، فها نحن (نسبِّحُ بحمدك ونقدِّسُ لك)، ونطيعك ما تأمرنا. فقال عزّ من قائل: (إنّي أعلمُ مالاتعلمون).
وبعث اللهُ الملك جبرائيل (ع) ليأتيهُ بترابٍ من أديم الأرض، ثم جعله طيناً، وصيَّرهُ بقُدرتهِ كالحمإ المسنون، ثم كالفخّار، حيث سوّاه ونفخ فيه من روحه، فإذا هو بشرٌ سويّ، في أحسن تقويم.
خلق حواء وزواج آدم منها :
سمّى اللهُ سبحانه وتعالى مخلوقه الجديد، آدم، فهو الذي خلقه من أديم الأرض، ثم إنه عزّوجلّ، خلق حوّاء من الطين الذي تبقى بعد خلق آدم وإحيائه.
ونظر آدم (ع) فرأى خلقاً يشبهه، غير أنها أنثى، فكلمها فردت عليه بلغته، فسألها: "من تكون؟" فقالت: "خلق خلقني الله".
وعلَّم اللهُ آدمَ الأسماء كلها، وزرع في نفسه العواطف والميول، فاستأنس بالنظر إلى حوّاء والتحدث إليها، وأدناها منه، ثم إنّهُ سألَ الله تعالى قائلاً: "ياربّ من هذا الخلقُ الحسن، الذي قد آنسني قربه والنظر إليه؟!" وجاءه الجواب: "أن ياآدم، هذه حوّاء.. أفتحبُّ أن تكون معك، تؤنسك وتحادثك وتأتمر لأمرك؟" فقال آدم (ع): "نعم ياربّ، ولك الحمدُ والشكرُ مادمتُ حيا." فقال عزّوجلّ: "إنّها أمتي فاخطبها إليّ". قال آدم (ع): "يارب، فإني أخطبها إليك، فما رضاك لذلك؟" وجاءه الجواب: "رضاي أن تعلمها معالم ديني.." فقال آدم(ع): "لك ذلك يارب، إن شئت". فقال سبحانه: "قد شئت ذلك، وأنا مزوجها منك".
فقبل آدم بذلك ورضي به.
تكريم الله لآدم ورفض إبليس السجود له
أراد الله عزوجل، أن يعبد من طريق مخلوقه الجديد، فأمر الملائكة بالسجود إكراماً له، بمجرد أن خلقه وسواه ونفخ فيه من روحه، فخرت الملائكة سُجّداً وجثيّا.
وكان إبليس، وهو من الجن، كان في عداد الملائكة حينما أمرهم الله بالسجود إكراماً لآدم(ع). وكان مخلوقاً من النار، شديد الطاعة لربّه، كثير العبادة له، حتى استحق من الله أن يقربه إليه، ويضعه في صف الملائكة... ولكن إبليس عصى هذه المرّة الأمر الإلهي، بالسجود لأدم(ع)، وشمخ بأنفه، وتعزز بأصله، وراح يتكبر ويتجبر، وطغى وبغى، وظل يلتمس الأعذار إلى الله سبحانه، حتى يعفيه من السجود لآدم(ع).
وما فتئ يتذرّعُ بطاعته لله وعبادته له، تلك العبادة التي لم يعبد الله مثلها ملكٌ مقرَّب، ولانبيٌّ مرسل... وأخذ يحتجُّ بأنّ الله خلقه من نار، وأن آدم مخلوق من تراب، والنار خير من التراب وأشرف: (قال: أنا خيرٌ منه، خلقتني من نارٍ وخلقته من طين). (أأسجد لمن خلقت طينا)!.
ولما كان الله سبحانه وتعالى، يريد أن يُعبَدَ كما يُريد هو، ومن حي يريد، لاكما يريد إبليس اللعين هذا، صب عليه سوط عذاب، وطرده من الجنة، وحرّمها عليه، ومنعه من اختراق الحجب، التي كان يخترقها مع الملائكة (ع).
ولما رأى إبليس غضب الخالق عليه، طلب أن يجزيه الله أجر عبادته له آلاف السنين، وكان طلبُه أن يمهله الله سبحانه في الدنيا إلى يوم القيامه، وهو ينوي الإنتقام من هذا المخلوق الترابي، الذي حُرِمَ بسببه الجنة، وأصابته لعنة الله. كما طلب أيضاً، أن تكون له سلطة على آدم وذريّته، وظلّ يكابر ويعاند، ويدّعي أنّهُ أقوى من آدم، وخير منه: (قال: أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ، لئِنْ أخّرتنِ إلى يوم القيامة، لأحتنكنَّ ذريته إلاّ قليلاً).
آدم (ع) يستعين بالله :
أعطى الله سبحانه وتعالى، أعطى إبليس اللعين ماطلبه وأحبه من نعيم الدنيا، والسلطة على بني آدم الذين يطاوعونه، حتى يوم القيامة، وجعل مجراه في دمائهم، ومقرّه في صدورهم، إلا الصالحين منهم، فلم يجعل له عليهم سلطانا: (قال: إذهب فمن تبعك منهم فإنّ جهنم جزاؤكم جزاءً موفورا... إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا).
وعرف آدم ذلك، فلجأ إلى ربّه مستعصما، وقال: "يا ربّ! جعلت لإبليس سلطة عليّ وعلى ذرّيتي من بعدي، وليس لقضائك رادٌّ إلاّ أنت، وأعطيته ما أعطيته، فما لي ولولدي مقابل ذلك؟" فقال سبحانه وتعالى: "لك ولولدك: السيئة بواحدة، والحسنة بعشرة أمثالها" فقال آدم (ع): "متذرعاً خاشعا: يارب زدني، يارب زدني". فقال عزّوجلّ: "أغفِرُ ولاأُبالي" فقال آدم (ع) "حسبي يارب، حسبي".
عاشقة حيدر
04-02-2008, 09:56 PM
نسيان آدم وحواء وخطيئتهما :
أسكن الله سبحانه آدم وحواء الجنة، بعد تزويجهما: (وإذ قلنا ياآدم أسكن أنت وزوجك الجنة) وأرغد فيها عيشهما، وآمنهما، وحذّرهما إبليس وعداوته وكيده، ونهاهما عن أن يأكلا من شجرة كانت في الجنة، تحمل أنواعاً من البر والعنب والتين والعناب، وغيرها من الفواكه مما لدّ وطاب: (وكلا منها رغداً حيث شئتما ولاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين).
وجاءهما الشيطان بالمكر والخديعة، وحلف لهما بالله أنه لهما لمن الناصحين، وقال: إني لأجلك ياآدم، والله لحزين مهموم... فقد أنست بقربك مني... وإذا بقيت على هذا الحال، فستخرج مما أنت فيه إلى ما أكرهه لك.
نسي آدم(ع) تحذير الله تعالى له، من إبليس وعداوته، وغرّه تظاهر إبليس بالعطف عليه والحزن لأجله، كما زعم له، فقال لإبليس: "وما الحيلة التي حتى لاأخرج مما أنا فيه من النعيم؟" فقال اللعين: "إنّ الحيلة معك:" (أفلا أدلك على شجرة الخلد ومُلكٍ لايبلى)؟ وأشار الى الشجرة التي نهى الله آدم وحوّاء عن الأكل منها، وتابع قائلاً لهما: (مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلاّ أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين).
وازدادت ثقة آدم(ع) بإبليس اللعين، وكاد يطمئن إليه وهو العدوّ المبين، ثم إنّه استذكر فقال له: "أحقاً ماتقول": فحلف إبليس بالله يميناً كاذباً، أنّهُ لآدم من الناصحين، وعليه من المشفقين، ثم قال له: "تأكل من تلك الشجرة أنت وزوجك فتصيرا معي في الجنة إلى الأبد".
لم يظنّ آدمُ(ع)، أنّ مخلوقاً لله تعالى يحلف بالله كاذباً، فصدقه، وراح يأكل هو وحوّاء من الشجرة، فكان ذلك خلاف ما أمرهما به الله سبحانه وتعالى.
الخروج من الجنة :
ماكاد آدم وحوّاءُ، يأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها، حتى نادى منادٍ من لدن العرش الإلهي، أن: "ياآدم، اخرج من جواري، فإنه لايُجاوِرُني مَن عصانيْ".
وبكى آدم(ع) لما سمع الأمر الإلهيّ له بالخروج من الجنة... وبكت الملائكة لهذا المخلوق الذي سجدت له تكريماً. فبعث الله عزّ وجلّ جبرائيل(ع)، فأهبط آدم إلى الأرض، وتركه على جبل سرنديب في بلاد الهند، وعاد فأنزل حوّاء إلى جُدَّة..
ثم أنّ الله سبحانه وتعالى، أمر آدم أن يتوجّه من الهند إلى مكة المكرّمة، فتوجّه آدم إليها حتى وصل إلى الصفا... ونزلت حواء بأمر الله إلى المروة، حتى التقيا من جديد في عرفة. وهناك دعا آدم ربّه مستغفراً: اللهم بحق محمد وآله والأطهار، أقلني عثرتي، واغفر لي زلتي، وأعدني إلى الدار التي أخرجتني منها.
الرحمة والغفران :
(وتلقى آدم من ربّه كلماتٍ فتاب عليه).
وأوحى الله عزوجلّ إلى جبرائيل(ع): إني قد رحمت آدم وحوّاء، فاهبط عليهما بخيمةٍ من خيم الجنة، واضربها لهما مكان البيت وقواعده، التي رفعتها الملائكة من قبل، وأنرها لهما بالحجر الأسود. فهبط جبرائيل(ع) بالخيمة ونصبها، فكان المسجد الحرام منتهى أوتادها، وجاء بآدم وحواء إليها.
ثم إنّه سبحانه أمر جبرائيل بأن يُنَحّيهما منها، وأن يبني لهما مكانها بيتاً بالأحجار، يرفع قواعده، ويتم بناءه للملائكة والخلق من آدم وولده، فعمد جبرائيل إلى رفع قواعد البيت كما أمره الله.
وأقال الله آدم عثرته، وغفر زلته، ووعده بأن يعيده إلى الجنة التي أُخرج منها. وأوحى سبحانه إليه، أن: "ياآدم، إني إجمع لك الخير كله في أربع كلمات: واحدة منهن لي، أن تعبدني، ولاتشرك بي شيئاً، وواحدة منهن لك: أجازيك بعملك، أحوجَ ماتكون، وكلمة بيني وبينك: عليك الدعاء ومني الإجابة، وواحدة بينك وبين الناس من ذريتك، ترضى لهم ماترضى لنفسك.
وهكذا، أنزل الله على آدم(ع) دلائل الألوهية والوحدانية، كما علمه الفرائض والأحكام والشرايع، والسنن والحدود.
قابيل يقتل هابيل :
كان قابيل أول أولاد آدم(ع). فلما أدرك سنّ الزّواج، أظهر الله سبحانه جنية يقال لها جهانة، في صورة إنسية، فلما رآها قابيل أحبها، فأوحى الله تعالى إلى آدم(ع) أن يزوجها من قابيل ففعل.
ثم لما ولد هابيل، الإبن الثاني لآدم (ع). وبلغ مبلغ الرجال، أهبط الله تعالى إحدى حوريّات الجنة، فرآها هابيل وأحبها، فأوحى الله لآدم (ع) أن يزوجه بها.
ثم إن الله سبحانه وتعالى، أمر نبيه آدم (ع)، أن يضع مواريث النبوة والعلم عند ولده هابيل، ويعرفه بذلك... ولما علم قابيل بذلك، غضب واعترض أباه قائلاً: "أنا أكبر من هابيل، وأنا أحق بهذا الأمر منه".
وتحيّر آدم(ع)، فأوحى الله إليه أن يقول لابنه قابيل: "يابني، إنّ الأمر لم يكن بيدي، وإنّ الله هو الذي أمرني بذلك، ولم أكن لأعصي أمر ربي ثانية، فأبوء بغضبه، فإذا كنت لاتصدقني، فليقرب كل واحدٍ منكما قرباناً إلى الله، وأيُّكما يتقبَّل الله قربانه، يكن هو الأولى، والأحق بالفضل ومواريث النبوة.
قدّم قابيل قرباناً من أيسر ملكه، وقدّم هابيل قربانه من أحسن ماعنده... فتقبل الله سبحانه قربان هابيل، بأن أرسل ناراً تركت قربان قابيل كما هو، ممّا أثار حفيظة قابيل، وأجّج نار الحقد في صدره.
ووسوس له الشيطان بأن: اقتل أخاك فينقطع نسله، وتُريحُ أولادك من بعدم إن كان لك ولد، ثم لايجد أبوك من يعطيه المواريث سواك، فتفوز بها، وذريتك من بعدك..
وسوّلت له نفسه قتل أخيه هابيل، فقتله... وكانت أوّل جريمة على وجه الأرض، نفّرَت الوحوش والسّباع والطيور، خوفاً وفرقا.
ولم يدر قابيل كيف يخفي جريمته... وماذا يصنع بجسد أخيه الملقى على الأرض بلا حراك؟... ويبعث الله تعالى غرابين يقتتلان في الجو، حتى يقتل أحدهما الآخر، ثم يهوي وراءه إلى الأرض، فيحفر، بمخالبه حفرة، يدفن فيها صاحبه، وقابيل ينظر ويرى.
أدرك قابيل عجزه وضعفه وقال: "ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغُراب فأواري سوأة أخي" وأدفنُ جُثّتهُ، كما دفن هذا الطائر الصغير الحقيرُ صاحِبُه المقتول؟! (فأصبح من النّادمين).
ذرية آدم(ع) :
ولد لآدم وحواء سبعون بطنا، على مايُروى، وكان أوّل أولادهما قابيل ثم هابيل اللذين لم ينجبا على مايبدو...
ولكن الله جلّ وعلا وهب لآدم وحوّاء إبنهما شيثا (هبة الله) ومن بعده ولد لهما يافث.. فلما أدركا وبلغا مبلغ الرجال، وأراد الله أن يبلغ بالنسل مانرى... وأن يكون ماقد جرى به القلم، من تحريم ماحرّم الله تعالى، من زواج الإخوة وبالأخوات أنزل سبحانه من الجنة حوريتين، هما نزلة ومنزلة، وأمر آدم أ، يزوجهما من شيث ويافث، فكان ذلك... وولد لشيث غلامٌ، وولدت ليافث جارية، فأمر الله تعالى أن يزوج آدم (ع) إبنة يافث من ابن شيث.
ولم يحرم الله آدم وحوّاء من الإناث، فقد رزقهما الله ابنة أسمياها عناق، تزوجت وولدت ولداً اسمه عوج، وصار فيما بعد جباراً شقياً، عدواً لله ولأوليائه، فسلط الله عليه وعلى أمه عناق من قتلهما.
وفاة آدم وحوّاء :
انقضت أيام آدم(ع)، فأمره الله أن يوصي إلى ولده شيث، ويدفع إليه مواريث النبوة والعلم والآثار، وأمره بأن يكتم هذا الأمر عن قابيل، حتى لاتتكّرر الجريمة المأساة، ويقتله كما قتل أخاه هابيل من قبل.
وتوفي آدم(ع) ولهُ من الذريّة من ولده وأولاد ولده العدد الكثير، بعد أن عمّر تسعمائة وستين سنة، ودفن في جبل أبي قبيس، ووجهه إلى الكعبة المشرَّفة على ماذكر في كتب السير. ولم تعمرّ حواء بعد آدم إلاّ قليلاً، عاماً واحداً مرضت بعده وماتت، ودفنت إلى جانب آدم(ع).
قصة جديدة لنبي من انبياء الله قريبا
أميرة القطيف
04-03-2008, 06:58 AM
مشكورة اختي ..
جزاك الله خيرا ..
تحياتي
smails
04-03-2008, 10:38 AM
متـــابعين
عاشقة حيدر
04-03-2008, 06:31 PM
مشكورة اختي ..
جزاك الله خيرا ..
تحياتي
السلام عليكمـ
الشكر الك صدى على المرور الكريم
تحياتيـ
عاشقة حيدر
04-03-2008, 06:33 PM
متـــابعين
السلام عليكمـ
هلا سمايلز...مشكورة على المرور
تحياتيـ
عاشقة حيدر
04-20-2008, 04:47 PM
النبي إدريس عليه السلام
الخيــاط
إسمه وصفاته:
(واذكر في الكتاب إدريس إنّه كان صدِّيقاً نبيّا) سورة مريم: الآية56.
توفي نبي الله آدم(ع) أبو البشر، فأوصى لولده شيث الذي قام بأعباء النبوة من بعده حتى وافاه الأجل فأوصى لإبنه أنوش بسياسة المملكة.. وولد لأنوش كثير من الأبناء، من بينهم إبنه قينان الذي خلف أباه.
ولد لقينان إبنه مهلائيل الذي صار إليه الملك بعد قينان، ولمهلائيل هذا إبن إسمه يارد حكم بعد أبيه ورزقه الله بإدريس النبي(ع).
في بابل من أرض العراق ولد إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر(ع)، وفي بابل نشأ وترعرع، في أسرةٍ كريمة الحسب والنسب، فتعلّم علم جدِّ جدِّ أبيه، شيث بن آدم (ع)، وأقام في السَّهلة.
ومن أرض العراق إنطلق إدريس يجوب البلاد مبشّراً برسالة آدم وشيث، فوصل إلى مصر، وبقي فيها، حيث كان اليونانيون أهل علم وفلسفة، فعرفوه، وقدّروا علمه وتعرفوا إلى رسالته فسموه هرمس الهرامسة، أي حكيم الحكماء.
ويذكر بعض المؤرخين، أنّ إدريس هو إلياس الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، ويذكر آخرون أنّ إدريس(ع) مذكورٌ في التوراة العبرية وإسمه أخنوخ، وفي التوراة العربية وإسمه خنوخ.
ويُروي أنّ إدريس(ع) كان رجلاً مديد القامة، حسن الوجه، براق العينين أكحلهما، كثّ اللحية، عريض الصدر والمنكبين، ضخم البطن، متقارب الخطو، يمشي ونظره إلى الأرض، كثير الصمت قليل الكلام بطيئهُ إذا تكلم، كثير التفكير، عبوساً يحتدّ إذا ما غضب، ولكنه كان محتسباً صبوراً: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلُ من الصابرين) سورة الانبياء: الآية 85.
ويُذكر أنّه (ع) كان يسبّح النهار ويصومه، ويبيت حيثما جنّه الليل، وأنّه كان يصعد له من العمل الصالح إلى السماء، مثلما يصعد لأهل الأرض كلهم. وقد سمي إدريس بهذا الإسم، لكثرة مدارسته الكتب السماوية وما فيها من الحكم والأحكام.
علم ادريس و عمله :
يذكر المؤرخون أنّ إدريس(ع) كان أوّل من خطّ بالقلم، وأنّ الله سبحانه علّمه الكثير من العلوم، ذلك أنّ الناس كانوا في زمانه يتحدثون باثنتين وسبعين لغة، علّمه الله إياها، ليعلِّم كلّ أناس بلغتهم.
وكان(ع) عالماً بالنجوم والحساب وعلم الهيئة، وكانت هذه معجزته(ع) وقد بالغ بعضهم، فذكر أنّ جميع العلوم التي كانت قبل طوفان نوح(ع) كانت من تعليم إدريس(ع).
ويحكى أنّ إدريس(ع) كان يعمل خياطاً، ويذكر إنّه أول من خاط الثياب بالإبرة ودرزها، وقد كان الناس قبله يلبسون جلود الحيوانات التي يصطادونها أو يقتلونها.
وقد ولد له(ع) على مايذكر المؤرخون إبنه متوشالح أبو لامك، ولامك هذا هو أبو نبي الله نوح(ع). فيكون إدريس جداً لأبي نوحٍ(ع).
نبوة إدريس(ع):
يحكى أنه كان في زمن إدريس(ع) ملك ظالم جبار، وكانت له زوجة من الأزارقة. وذات يوم خرج ذلك الملك للتنزه في الحقول والبراري، فمرَّ بأرضٍ خضرة نضرة، فأعجبته خضرتها ونضرتها، فسأل عن صاحبها فقيل له: إنها لفلانٍ من الناس.
وأرسل الملك الجبار إلى صاحب الأرض، فجاءهُ، وهو على خير دينه. قال له الملك الجبار: أترك لي أرضك أتمتع بها؛ قال صاحب الأرض: إنّ عيالي أحوج إليها منك. فقال له: بعني إياها. فأبى الرجل ورفض أن يبيع أرضه.
وعاد الملك الجبار إلى قصره غاضباً مقهوراً، وراح يفكر كيف يأخذ الأرض من صاحبها، فأصابه همٌّ وغمٌّ كبيران. فلما رأته زوجته على تلك الحال، سألته عن السبب، فحكى لها قصته مع الرجل صاحب الأرض، وما كان من أمره.
قالت زوجة الملك الجبار: لماذا لاتقتله وتأخذ أرضه؟ فإن كنت تكره أن تقتله بغير سبب، فاترك الأمر إليّ وأنا أتدبره، وأصيِّر أرضه لك..
وبعثت زوجة الملك إلى جماعة من الأزارقة فجاؤوها، فأمرتهم أن يشهدوا على صاحب الأرض أنّه على غير دين الملك، فشهدوا عليه بذلك، فقتله الملك وأخذ أرضه.
وغضب الله سبحانه لذلك الرجل، فأوحى إلى إدريس، فكان بدء نبوته(ع): أن إذا لقيت عبدي ذلك الملك الجبار، فقل له: أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن، حتى أخذت أرضه وأحوجت عياله من بعده.. أما وعزتي وجلالي لأنتقمنَّ له منك في الآجل، ولأسلبنّك ملكك في الحياة الدنيا، ولأخربنَّ مدينتك، ولأطعمنّ الكلام لحم امرأتك، فقد غرّك حلمي عنك وأناتي.
ذهب إدريس (ع) إلى ذلك الملك، بأمر ربه، وأبلغه رسالته إليه، فما كان من الملك الجبار إلاّ أن طرد إدريس، وهدّده بالقتل، بعد ما زينت له امرأته ذلك، وهوَّنت عليه أمر إدريس ورسالته قائله له: لايهولنّك رسالة إله إدريس... أنا أرسل إليه من يقتله فتبطل رسالة إلهه.
وكان لإدريس(ع) أصحاب مؤمنون يأنس بهم، فأخبرهم بخبر رسالة الله إلى الملك الجبار، وبردّه عليها. فأشفقوا على إدريس، وخافوا عليه القتل، وحذروه من الملك وزوجته.
وفعلاً، بعثت امرأة الملك الجبار جماعة من قومها الأزارقة، ليقتلوا إدريس(ع)، فتفرقوا يبحثون عنه فلم يجدوه، وعرف أصحاب إدريس(ع) بالأمر، فقالوا له: خذ حذرك يا إدريس، واخرج من هذه المدينة، فإن الملك قاتلك إن لم تفعل.
جمع إدريس(ع) في المدينة رهطاً من أصحابه، ولما كان السحر ناجي ربه قائلاً: يارب، إنّ الملك الجبار توعدني بالقتل، فماذا أفعل؟ فأوحى الله إليه: أن أخرج من مدينته، وخلني وإياه، فوعزتي لأنفذنَّ فيه أمري.
فقال إدريس(ع): إنّ لي إليك ياربّ حاجة؟ فقال الله جل وعلا: سلها، تُعطها يا إدريس. قال إدريس(ع): أسألك ياربّ أن تمسك السماء على أهل هذه المدينة وماحولها، فلا تمطرهم حتى أسألك ذلك. قال الله سبحانه وتعالى: إذن تخرب المدينة ويجوعَ أهلها. فقال إدريس(ع): وإن خربت، وإن جاعوا.. قال تعالى: إني أعطيتك ياإدريس ماسألت..
وأخبر إدريس إصحابه بحبس المطر عن المدينة، وخرج وخرجوا معه وهم عشرون رجلاً، ثم تفرقوا في القرى، وآوى إدريس(ع) إلى كهفٍ في الجبل، وقد وكّل الله به ملكاً يأتيه بطعامه وشرابه عند كل مساء.
وخربت المدينة، وأنهار مُلكُ الملك الجبار، إذ سلّط الله عليه جباراً آخر، سلبه مُلكه وقتل زوجته وأطعم الكلاب لحمها.
وظلّت السماء محبوسة القطر عشرين سنة لاتمطر، حتى صار أهل تلك المدينة يجمعون الطعام من القرى المجاورة، ويتمنون أن يرجع إدريس إليهم، ليدعو ربه أن يبعث المطر. ثم إنهم أجمعوا أمرهم على أن يتوبوا إلى الله، ويسألوه أن يُرسل السماء عليهم مدرارا...
وهكذا كان، فقاموا على الرماد، ولبسوا المسوح، وحثوا التراب على رؤوسهم... فتاب الله عليهم، وهو التواب الرحيم.
وأوحى الله إلى إدريس(ع)، أن قد تاب قومك، وقبلت أنا توبتهم، وكنت أنت قد سألتني أن أمنع المطر عنهم، وألا أرسله إلاّ إذا سألتني ذلك، فسلني ياإدريس... فقال إدريس(ع): أللهم إني لاأسألك. فأوحى الله عزوجل إلى الملك الذي كان يأتيه بطعامه وشرابه، أن يمتنع عن ذلك. فلما أمسى إدريس لم يؤت بطعام ولاشراب، فجاع وحزن.. وكذلك في اليوم التالي، فلما اشتد جوعه ناجى ربّه قائلاً: يارب، حبست عني رزقي من قبل أن تقبض روحي... فأوحى الله إليه: ياإدريس، جزعت أن حبست عنك طعامك ثلاثة أيام ولياليها، ولم تجزع ولم تنكر جوع أهل مدينتك وجهدهم عشرين عاماً، وقد سألتك لجهدهم ورحمتي إياهم، أن تسألني أن أمر السماء عليهم، فلم تسألني وبخلت عليهم بمسألتك إياي، فأذقتك الجوع فقلَّ اصطبارك، وظهر جزعك، فاهبط من موضعك، واطلب لنفسك المعاش، فإني قد وكلتك في طلبه إلى حيلك.
وهبط إدريس(ع) من كهفه، وراح يطلب أكلة من جوع، فرآى الدخان يتصاعد من احد منازل المدينة، فقصده فإذا فيه امرأة عجوز تقلي قرصين على مقلاة. فقال لها: أطعميني أيتها العجوز، فإنني جائع مجهود. قالت العجوز: ياعبد الله، ماتركت لنا دعوة إدريس فضلاً نطعمه أحدا... وحلفت له أنها لاتملك شيئاً غير القرصين، ثم قالت له: إذهب واطلب المعاش من غير أهل هذه المدينة.
وكان إدريس(ع) لايقوى على المشي من شدة الجوع، فقال لها: ياأمة الله.. أطعميني ماأُمسك به روحي، وتحملني به رجلاي حتى أطلب... قالت: إنما هما قرصان: واحد لي والآخر لابني، فإن أطعمتك قرصي مِتُّ من الجوع، وإن أعطيتك قوت ابني مات هو الآخر. فقال لها: إنّ ابنك صغير يكفيه نصف قرص فيحيا به، وأنا يكفيني النصف الآخر فأحيا به.. فأكلت العجوز قرصها، وقسمت الآخر نصفين، فأعطت إدريس نصفاً وابنها النصف الآخر.
وما أن رأى ابن العجوز إدريس يأكل من قرصه، حتى اضطرب ومات.. فقامت أمه: ياعبد الله، قتلت ولدي جزعاً على قوته... قال إدريس(ع): فأنا أحييه لك بإذن الله، فلاتجزعي.
وأخذ إدريس بعضدي الصبي ثم قال: أيتها الروح الخارجة من جسم هذا الغلام، بإذن الله تعالى، إرجعي إلى بدنه بإذن الله.. أنا إدريس النبي. فرجعت الروح إلى بدن الصبي بإذن الله..
سمعت المرأة كلام إدريس، ورأت ابنها وقد عادت إليه الحياة بعد موته، فقالت: أشهد إنك لأنت إدريس... وخرجت من بيتها تصرخ بأعلى صوتها: أبشروا بالفرج، فقد عاد إدريس إلى مدينتكم.
ومضى إدريس(ع) حتى وصل إلى موضع مدينة الملك الجبار الأول، فتهافت الناس عليه، من أطراف المدينة، تهافت الفراش على النور، وراحوا يرجونه أن يرحمهم، ويدعو الله لهم، حتى يأتيه الملك الجبار الثاني، الذي سلب ملك الجبار الأوّل، ماشياً حافياً مع أهل مدينته، ليتأكد أنهم تابوا إلى الله، ولن يؤذوه من جديد.
وعرف الجبار بأمر إدريس(ع)، فبعث أربعين رجلاً ليأتوه به، فلما وصلوا إليه، أخبروه أنهم بمعوقون ليأخذوه إلى الملك، فدعا إدريس عليهم، فماتوا جميعهم.
وأرسل الملك الجبار بعدهم خمسمئة رجل، عسى أن يأتوه بإدريس(ع). فلما وصلوا إليه، وعلم أنهم جاؤوا ليأخذوه إلى الملك، قال لهم: أما ترون مصارع أصحابكم، فإياكم أن تفعلوا ما أمركم به الملك الجبار، فيكون مصيركم كمصيرهم.
فقالوا: ياإدريس، أما عندك من رحمة... أهلكتنا بالجوع والعطش عشرين عاماً، وتريد أن تدعو علينا بالموت؟ أفلا تدعو الله أن يمطر السماء؟ قال إدريس(ع): لن أفعل حتى يأتيني ملككم، وأهل مدينتكم مشاة حفاة.
ورجع الرجال إلى الملك الجبار، وراحوا يرجونه أن يمشي معهم حافياً إلى إدريس(ع)، وإلا هلكوا جميعاً، فسار الملك الجبار ومن خلفه أهل المدينة إلى إدريس، حتى ركعوا بين يديه، فقال إدريس(ع): أمّا الآن، فسأدعو ربي أن يرسل السماء عليكم مدرارا.
دعا إدريس(ع) ربه أن تمطر السماء عليهم وعلى نواحيهم، فما هي إلا لحظة حتى ظللتهم غمامة من السماء، فأبرقت وأرعدت، ثم هطلت عليهم حتى ظنوا أنه الغرق.
وأقام إدريس(ع) يدعو إلى عبادة الله الواحد الأحد، كما في شريعة آدم وشيث(عليهما السلام) فكان الناسُ يجيبونه واحداً تلو الآخر، حتى صاروا ألف رجل.
ولم تكن لإدريس(ع) طريقة خاصة في العبادة، فاختار سبعة من أصحابه وقال لهم: تعالوا يدعو بعضنا ويؤمن البعض الآخر. ورفعوا أيديهم إلى السماء بالدعاء، فنبّأ الله سبحانه إدريس، ودلّه على طريقة عبادته، وكانت مكة هي القبلة التي يتوجه إليها في صلاته وعبادته.
وأخذ إدريس(ع) يعلِّم أصحابه وأتباعه كيف يعبدون ربهم سبحانه، فكانوا يطيعونه، ويطبقون تعاليمه، حتى أ، الملائكة كانوا في زمانه (ع) يصافحون الناس، ويسلمون عليهم، ويكلمونهم ويجلسون إليهم، لصلاح ذلك الزمان وأهله.
صحف إدريس(ع):
علّم إدريس(ع) قومه كيف يبنون المدن، فبنوا مئة وثماني وثمانين مدينة. ثم جعل لكل مدينة علماء ومرشدين يعلّمون الناس، ويهدونهم إلى طاعة الله وعبادته، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ثم إنه(ع) وقد أتباعه بأنبياء يأتون من بعده، ووصفهم لهم، وعرّفهم أن النبي يكون معصوماً من الخطأ، خالياً من العيوب الأخلاقية، والأفعال السيئة، كامل الفضائل، لايعجز عن الإجابة على أي سؤال يتعلق بأمر الدنيا والآخرة، وأنّه مستجاب الدعوة في كل مايطلبه من الله.
وعن النبي محمد(ص): أن الله أنزل على إدريس ثلاثين صحيفة. وقد أُثرت عنه(ع) العلوم والحكم والنصائح والأدعية الكثيرة، ويذكر المؤرخون أنه كانت له(ع) مواعظ وآداب تجري مجرى الأمثال. وقد مرّ معنا أن كلّ العلوم التي عرفت قبل طوفان نوحٍ(ع) كانت من تعليم إدريس(ع).
وقد نسبت إلى إدريس أمور وأحداث وأعمال، أقلُّ مايُقال فيها: إنها خرافية، ولايمكن أن تصدر عن نبي من أنبياء الله، ولا يقرّها عقل بشري سويّ.
ومّما جاء في الصحف التي أنزلها الله تعالى على إدريس(ع) قوله: "كأنك بالموت وقد نزل بك، فاشتدّ أنينك، وعرق جبينك، وتقلّصت شفتاك، وانكسر لسانك، ويبس ريقك، وعلا سواد عينيك بياض، وأزبد فوك، واهتزّ جميع بدنك، وعالجت غصص الموت وسكرته ومرارته وزعقته، ونوديت فلم تسمع، ثم خرجت نفسك وصرت جيفة بين أهلك؛ إنّ فيك لعبرة لغيرك، فاعتبر في معاني الموت. إنّ الذي نزل بغيرك نازل بك لامحالة"...
ومن مواعظه وأدبه (ع) قوله: لن يستطيع أحد أن يشكر الله على نعمه، بمثل الإنعام على خلقه.. وقوله(ع): من أراد بلوغ العلم وصالح العمل، فليترك من يده أداة الجهل وسيّئ العمل... فحبّ الدنيا وحبّ الآخرة لايجتمعان في قلبٍ أبداً.
ومن الأدعية المأثورة عن النبي إدريس(ع)، دعاء السحر المشهور، الذي يقرأ في أسحار شهر الله تعالى، شهر الصيام المبارك، وهو يحتوي أربعين إسماً من أسماء الله الحسنى، وأوله: سبحانك لا إله إلاّ أنت يارب كل شئٍ ووارثه.
كما أثر عنه الدعاء المعروف بدعاء التوسل، وفيه توسل إلى الخالق جلّ ذكره، بذكر أربعين إسماً من أسمائه جلّ وعلا، وابتهالٌ إليه، وطلب الأمان من بلاء الدنيا وعقوبات الآخرة.
(ورفعناه مكاناً عليّاً) سورة مريم: الآية57:
يروى أنّ ملكاً من الملائكة غضب الله عليه وطرده من السماء الى الأرض، فجاء إلى إدريس(ع) وطلب منه أن يشفع له عند ربه، فصلّى إدريس(ع) ثلاث ليالٍ، لايفتر، وصام أيامها لايفطر، ثم طلب إلى الله في السحر أن يرضى عن ذلك الملك، فرضي الله عنه وسمح له بالعودة إلى السماء.
قال الملك: يانبيّ الله، إنني أريد أن أشكرك فاطلب إليَّ حاجة.. فقال إدريس(ع): أريد أن تريني ملك الموت، لعلني لا أستوحش، بعد ذلك من ذكره. فإنني ما ذكرته إلا فارقني الهناء.
بسط الملك جناحيه وقال لإدريس(ع): إركب، فركب إدريس وصعد به الملك إلى سماء الدنيا، فلم يجدا ملك الموت، فظلَّ يصعد به حتى وجدا ملك الموت بين السماءين: الرابعة والخامسة.
كان ملك الموت متجهما عابساً، فساله الملك الذي يحمل إدريس(ع): مالي أراك مقطباً؟ فردّ ملك الموت قائلاً: إنني كنت تحت ظِل العرش، فأمرت أن أقبض روح نبي الله إدريس، بين السماءين الرابعة والخامسة، فتعجبت لذلك.
وسمع إدريس(ع) كلام ملك الموت، فانتقض من جناح الملك، ولكن ملك الموت قبض روحه حيث هو، وكان عمره(ع) على مايذكر الرواة والمؤرخون مايقارب الثلاثمئة سنة.
ويُروي أن ملك الموت طلب إلى الله سبحانه أن يأذن له بزيارة إدريس(ع) حتى يسلّم عليه ويصحبه، فأذن الله له، فنزل ملك الموت إلى إدريس. وإدريس لايعرفه، فقال له: إني أريد أن أصحبك؛ فوافق إدريس(ع)، فكانا يسيحان النهار ويصومانه، فإذا حلّ الظلام جاء إدريس طعامه فأفطر ودعا ملك الموت للإفطار فيقول: لاحاجة لي فيه، ثم يقومان فيصليان.
واستمرا على هذه الحال أياماً، إلى أن مرّا بكرم عنب قد أينع ثمره، وقطيع غنم قد سمنت خرافه، فقال ملك الموت إدريس(ع): خذ من هذا القطيع حملاً، ومن هذا العنب وافطر عليه. فقال إدريس(ع) سبحان الله! أدعوك إلى مالي فتأبى، ثم تدعوني إلى مالِ غيرك وتريدني أن أقبل به؟.
ثم قال إدريس(ع): ياهذا قد صحبتني وأنا لاأعرفك، فمن أنت؟. قال: أنا ملك الموت. فقال إدريس(ع): لي إليك حاجة. قال ملك الموت: وما حاجتك؟. قال إدريس(ع): تصعد بي إلى السماء.
واستأذن ملك الموت ربّه في ذلك، فأذن له، فحمل إدريس على جناحه وصعد به إلى السماء. فقال إدريس(ع): إنّ لي إليك حاجة أخرى. قال ملك الموت: وماهي؟ قال: بلغني أنّ الموت شديدٌ على الإنسان، فأحبّ أن أجرّبه فأعرف كيف هو.
وعاد ملك الموت إلى استئذان الله في ذلك، فأذن له، فأخذ روح إدريس وأماته ساعةً ثم ردَّ روحه إليه وقال له: كيف رأيت الموت؟ قال إدريس(ع): لهو أشدُّ مما كنت أعتقد... ولكن لي إليك حاجة ثالثة: أريدك أن تريني النار والجنة.
إستأذن ملك الموت ربه للمرة الثالثة، فأذن له، وأمر زبانية جهنم ففتحوها، فلما رآها إدريس أغمي عليه. ولما أفاق حمله ملك الموت إلى الجنة، وقد فتحها خزنتها لأمر الله لهم، فدخل إدريس إليها، ونظر إلى جمالها وبهائها ثم قال: ياملك الموت: إنَّ الله تعالى يقول: (كل نفس ذائقة الموت)سورة آل عمران/آية185 وقد ذقته، ويقول في جهنم: (وإن منكم إلاّ واردها)سورة مريم/آية 71، وقد وردتها، ويقول في الجنة: (وما هم منها بمخرجين)سورة الحجر/آية 48، فما كنت لأخرج منها.
فقال الله لملك الموت: إنّ إدريس إنما حاجّك فحجّك بوحي، وأنا الذي هيأت له تعجيل دخول الجنة، فإنه كان يتعب نفسه وجسده في طاعتي، فكان حقاً عليّ أن أعوِّضه، من تعبه، الراحة والطمأنينة، وأن أجعل له، بتواضعه لي وصالح عمله، مكاناً علياً في جنتي.
(أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم)سورة مريم/آية 58.
يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع): إنّ الله رفع إدريس مكاناً علياً، وأطعمه من تحف الجنة بعد وفاته؛ ويقول الله عزّ من قائل: (وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين) سورة الأنبياء/آية 86.. فسلام على إدريس، والحمد لله رب العالمين.
انتظرونا مع قصة جديدة
عاشقة حيدر
05-10-2008, 07:40 PM
النبي داود عليه السلام
صاحب المزامير
تولّى يوشَعُ بنُ نون قيادة قومه، بعد التحاق موسى(ع) بالملأ الأعلى.
وخرج بهم من أرض التيه، بعد أربعين سنةً تاهوا فيها، حيارى،.. إلى أرض فلسطين، لقتال أعدائهم، وما زال ينتقلُ بهم من نصرٍ إلى نصرٍ، حتّى دانَ لهم الأعداءُ وخضعت لهم الرقابُ، فحكموا بشريعة السماء!.
وكانوا يُقدِّمون أمامَهم، في كلِّ المعارك التي خاضوها، "تابوت العهد"،.. وفيه بقيةٌ ممّا ترك موسى وهرونُ: من عصا موسى، إلى الألواح المقدسة، إلى بعض دروعٍ وسلاحٍ.. وهكذا كانت بيارقُ النصر تُرفرف فوق هذا التابوت المقدس باستمرارٍ،.. الذي كان نعمةً أنعمها الله على بني إسرائيل!..
ولكنَّهم - كعادتهم- مالبثوا أن انحرفوا عن طريق الحقِّ، وجادّة الصواب.. فسلّط الله عليهم "الفلسطينيينَ" حتى ذلُّوا، وهانوا، وباؤوا بغضبٍ من الله وخذلان!..
* صموئيل النبي :
وأتى بنو إسرائيل نبياً لهم، وعبداً من عباد الله الصالحين، اسمه "صموئيل" وشكوا إليه، متبرِّمين، مايلاقون من مرارة الهوان، وتمزق الشمل والخذلان، وظهور أعدائهم عليهم ( أي: تفوُّقهم).
وهز "صموئيل" رأسه، فهو على وثيق الايمان بأنّ لعصاة الله سوء الدار، وبئس القرار.. وقومُه عصاةٌ فاسقون، مردُوا على الكفر والنِّفاق، فالله مجازيهم بما كسبت أيديهم وبما كانوا أنفُسهم يظلمون. وقال لهم بصوتٍ عميقٍ، وهو يتطلّع إلى آفاق السماء:
- دعوني استخر لكم الله في ماأنتم فاعلون!
وانصرفَ، كلٌ إلى شأنه!..
وأوحى الله إلى نبيه "صموئيل": إني قد اخترتُ "طالوت" ملكاً على بني إسرائيل، ولعلّ "صموئيل" لم يكن قد سمع بهذا الاسم من قبل.. فمن "طالوت" هذا؟.. وكيف الوصول إليه؟..
فأوحى إليه الله عزّوجلّ: لاعليكَ يا "صموئيل"، فطالوتُ آتٍ إليك عمّا قريب. إنه عبدٌ من عبادي الصالحين، قد آتيتهُ بسطةً من الجسم والعلم.. وبه يتمُّ صلاحُ أمر بني إسرائيل.
* "طالوت" و"صموئيل" :
"طالوت" في قرية من قرى الوادي، يُشرفُ على أغنامٍ وأُتُنٍ (جمع أتان: أنثى الحمار) يرعاها، فتنمو عدداً - ويتعهّد الأرض: رياً، وفلاحةً، وزراعةً، فيجني منها وافرَ المحاصيل.
وبينما كان يرعى قطيعاً، أخذتهُ سنةٌ من الكرى، فغفا ساعةً أو بعض ساعةٍ، ولما استفاق، طلبَ أُتُنهُ فلم يجدها، فسأل غلامه عنها. وإذا به، مثله، لايعلمُ عنها شيئاً، فنهضا، وتوجّها إلى أرض وعرةٍ ذات عشب وكلأ وشجر، فلعل الأُتن قصدتها.. وتوغَّلا عميقاً في الأرض الوعرة، حتى تورّمت منهما الأقدامُ، دون أن يعثُرا لها على أثر. وأرادا العودة خائبين، بعد أ، لقيا مشقةً وعسراً، على أن يعاودا البحث عنها غداً في المقلب الآخر للوادي. فلعلّها قصدت وعور الشِّعاب!..
ويتوقَّفُ الغلامُ لحظةً، وهو يفرُكُ جبهته، ويتوجَّهُ بالكلام مخاطباً سيِّده "طالوت":
- "سيدي، لعلَّنا لن نجوس خلال هذه الأرض مرةً أخرى. فنحن الآن في أرض "صوف" موطن النبي "صموئيل" الذي يهبِطُ عليه الوحيُ، وتتنزَّلُ الأملاكُ. فهيَّا بنا إلى هذا النبي الكريم، نستوضحه أمر ما افتقدنا من أُتُن، فلعلّ السماء تُنبئُنا بواسطته عن ضالّتنا.. وإلى ذلك كلّه، فلعلّنا نتبرّك بدعائه، ونُحرز رضاهُ.
وارتاح "طالوتُ" إلى هذا الرأي. فلا ضيرَ منه على أي حال!..
ويتوجّه "طالوت" يصحبه غلامُه إلى حيثُ يقيم النبي "صموئيل". ويلتقيان، في طريقهما إليه، فتياتٍ، خرجنَ يستقين الماء، فسألاهُنَّ كيف السبيل إلى لقاء "صموئيل"، فأخبرنهما بأنّ الناس يلاقونه خلف ذيَّاك الجبل، ولعلّه موشكٌ على المجئ.
وفيما هُما كذلك، وإذ بصموئيل بطلعُ عليهما، يشعُّ محيّاهُ بنور النبوّة، وتحفُّ به مهابةُ رسولٍ كريم!..
ونظر كلُّ منهما إلى الآخر.. فأوقع الله في قلب "صموئيل" أنه أمام "طالوت" الموعود.
ولم يتردّدْ "طالوت" في الإبانة عن نفسه، والهدف من مجيئه، فقال:
- "لقد أتيتك، يانبيّ الله، مستوضحاً، مسترشداً، لقد ضاعت لنا أُتُنٌ، ومازلتُ أطلبُها، مع غلامي، منذُ ثلاثة أيام، دون جدوى. وقد أتيناك مسترشدين: فهل إلى العثور عليها، من سبيلٍ؟..
فأجابه صموئيل باطمئنان الواثق:
"أمّا الأُتُن التي أنت في طلبها، فهي في طريقها إلى أبيك، فلا تنشغل بها نفساً، ولاتنزعج بها خاطراً..
وإني أدعوك إلى أمرٍ، ندبَكَ الله إليه (أي: كلَّفك به، ودعاك..)، وهو أمرٌ، وايمَ الله (أي: أقسم بالله) جدُّ جسيمٌ، وخطيرٌ!..
ويُحملِق "طالوت" في وجه صموئيل دهشاً، فإلى مَ يدعوه نبي الله "صموئيل"؟..
- ماالأمر يانبيَّ الله؟
- لقد اختارك الله على بني إسرائيل، ملكاً!..
- أنّى يكون لي ذلك، ومن أكون حتى أنهض بهذا الحمل العظيم، والأمر الجلل الخطير؟ إنني من أبناء "بنيامين" أخمل الأسباط ذكراً، وأوضعهم جاهاً، وأدناهم قدراً، وأقلّهم مالاً، وأبعدهم عن مواطن الحكم والسلطان!..
- لاعليك!.. فليس لأغنياء الناس، ووجهائهم، من النبوة، إلاّ الحظُّ الأقلُ، والنصيبُ الأدنى. وإنّ هذه مشيئةُ الله، أنقلُها إليك،.. فاشكُر الله الذي اصطفاك عليهم جميعاً، واجتباك (أي: اختارك)، واحمد نعماءه على تكليفك بما لاينهضُ به إلاّ رجالُ الله الأخيار، فهيَّا، واصدَع بما أُمِرتَ به!..
وأخذ "صموئيل" بيد"طالوت"، وسارا، وتبعهما الغلام الذي، لدهشته، لم ينبس ببنت شفةٍ.
ووصل الثلاثةُ إلى النادي، حيث يجتمع عليّةُ القوم من بني إسرائيل، وأشراف ساداتهم، فوقف عليهم "صموئيل"، وهو ممسكٌ بيد "طالوت"، وأعلنَ فيهم:
- إن الله قد بعثَ "طالوتَ" ملكاً عليكم، فاسمعوا له، وأطيعوا، وأعّدوا العُدّة لجهاد عدوكم، تفلحوا، وتظفروا إن شاء الله!..
فلووا بأعناقهم، منذهلين!..
فمن يكون "طالوتُ" هذا النكرةُ، بينهم، والسيّئ الحال، يؤمّرهُ الله عليهم، وفيهم كلُّ عظيم الشأن، خطير المُقام؟..
فلا ذكر له، وهو الخاملُ بين بني إسرائيل، ولامال له، وبينهم من بيده كنزٌ من الذهب، لايفنى!..
ولاهو من أبناء "لاوي"، فرع دوحةِ النبوّة السامقة في بني إسرائيل...
ولاهو من غصن "يهودا"، معدن الملك والرياسة والسلطان!..
وأدرك "صموئيل" مايدور في خلدِهم، وما تُحدِّثهم به نفوسُهم، فقال لهم:
- على رسلكم، ياقوم!.. فالسيادةُ لاتحتاجُ إلى نسبٍ، وما عساه يجدي النّسبُ إذا كان صاحبُه أخرق أحمق؟. وماذا يفعل المالُ - على كثرته- مع المتخلّف البليد، والجبان الرعديد؟.. وهذا طالوتُ، اختارهُ الله عليكم، وفضّله على من عداه من بني إسرائيل،. {إنّ الله اصطفاه عليكُم وزادهُ بسطةً في العلم والجسم}. وها هوذا، كماترون، أمامكم، سويُّ الخلق، جميلُه.. صلبُ الجسم، متينُه، يبعثُ على المهابةِ والجلال!..
ألا ترونَ، لو كان مهزولاً، ضعيفاً،.. لاقتحمتهُ إذن، عيونُكم، وازدرتهُ انفسكم..؟ وهو، إلى ذلك، محاربٌ عنيدٌ، وعلى الأعداء جسورٌ، شديدٌ، بصيرٌ بعواقب الأمور، وخبيرٌ بأساليب الحروب، وفوق ذلك كله، فليس الأمرُ مني، ولاهو بيدي.. ولكنّهُ أمرُ الله تعالى، ومشيئَتُه، عزوجلَّ، فهو الذي قد ملّكه عليكم،.. فأطيعوا الله، في أمرِه، وسلِّموا إلى مشيئته نفوسكم راضين،.. فإنني، والله، لكم من الناصحين!..
وكأنّه استمال قلوبهم،.. فأظهروا الإذعان!..
ولكنّهم، مالبثوا أن عادوا إليه يطالبونه بآية يعرفون بها صدق قوله، فيكونون بذلك من المصدّقين، المؤمنين،..
فقال لهم: إنني أعرف خبيئة نفوسكم التي جُبلت على اللّجاج، والعناد، والمكابرة، ونبذ الحق،.. واتّباع سبيل الهوى، وطريق الغيِّ، وسوء الظنِّ بالله، وتكذيب رسله،
(إنّ آية مُلكه أن يأتيكم التّابوتُ فيه سكينةٌ من ربّكم وبقيّةٌ ممّا ترك آل موسى وآل هرون تحمِلُهُ الملائكةُ أنّ في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين).
فخرجوا إلى ظاهر المدينة، كما واعدهم "صموئيلُ"، فشاهدوا التابوتَ يتهادى إليهم في الفضاءِ، محمولاً على أكفِ الملائكة، فآمنوا، وبايعوا "طالوت"، وأقرُّوا له بالملك!..
وأظهر "طالوتُ" في ملكه، حزماً وعزماً. فأسرع إلى تجهيز جيشٍ لاتشغلُ أفرادهُ عن الحرب شواغلُ الدنيا، والتهالُكُ على حُطامها، وسار بهم لقتال الأعداء. وبينما هم، في طريقهم إلى الحرب، مرّوا على نهرٍ، وقد تلظّت أكبادُهُم عطشاً، فقال لهم طالوتُ:
- (إنّ الله مُبتليكُم بنهرٍ فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمهُ فإنّهُ منّي إلا من اغترف غُرفةً بيده)
وشدّد عليهم بألاّ ينهلنَّ منه أحدٌ إلاّ بمقدار رشفات يبرّد بها كبدهُ الحرّى.
ولكنّ معظمهم لم يلتفتوا إلى طلب "طالوت" فأسلموا أنفسهم إلى هواها، فعبُّوا من ماء النهر الجاري حتى الارتواء، بينما ترشّف القليلُ منهم من الماء رشفاتٍ نزيرةٍ (أي:قليلة) برّد بها غليله.
ولمّا أشرفوا على أعدائهم، وجدوا فيهم قوّة عدةٍ وكثرة عدد، وقائدهم "جالوت" يجول بينهم ويصولُ، وقد غطّاهُ الحديد من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، على فرسٍ أدهم كأنّه قطعةٌ من ليلٍ حالكٍ، فانقسمَ أصحابُ "طالوت" عندما شاهدوا ذلك إلى فرقتين:
واحدةٍ: أصابها الوهنُ، ودبَّ فيها الضعفُ، فقالوا: (لاطاقة لنا اليومَ بجالوتَ وجُنودِهِ).
وثانيةٍ: ثبتت على الإيمان، واستحبَّت الجهاد على النُّكول عن الحرب(أي: الانصراف عنها)، موقنةً بأن النصرَ من عند الله، فحثُّوا إخوانهم على الصدق في القتال، والله يفعلُ - بعد ذلك- مايشاءُ، هاتفين بهم (كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله؛ والله مع الصَّابرين!..).
وانطلقت شرارةُ المعركة بالمبارزة!.. فبرز "جالوتُ" بين الصَّفين، فما بارزَهُ فارسٌ، إلاّ وجندلَه صريعاً، حتى تحامتهُ الفرسانُ، وأجحمت عن مبارزته الأقرانُ. وهو على جواده المحمحم صائلٌ جائلُ، وسيفُه يرعُفُ دماً، والقومُ واجمون، مطرقون.
عاشقة حيدر
05-10-2008, 07:46 PM
*داود يبارز جالوت :
كان في "بيت لحم" رجلٌ من بني إسرائيل قد أحنت السنونُ صُلبَه، فغدا عودُهُ كالقوس انحناءً.. ولما دقَّ نفيرُ الجاد في بني إسرائيلَ، انتخبَ ثلاثةً من نبيه، قائلاً لهم:
- "هيَّا لمعاضدة إخوانكم، ونُصرة بني قومكم في القتال، وأخذ نصيبكم من الحرب".
والتفت إلى صغير أولاده، داود، الأبلج الغُرّة، الوضَّاء الجبين، المتوقِّد الخاطر، وقال لهُ:
- "أمّا أنتَ، فمُهمَّتُك إيصالُ الماء والطعام إلى إخوتك، وموافاتي بأخبارهم مساء كلِّ يومٍ، وإياك والحرب!.. فلست من رجالها، ولا ممَّن يخوضون لظاها!.."
وودَّع داودُ وإخوتُه أباهم الشيخ الكبير، الّذي دعا لهم بالنصر، والتَّأييد..
ولمّا وصلوا إلى ساح المعركة، راعَ داود فارسٌ طاغيةٌ، عملاقٌ، يخطُر على جواده بين الصَّفين مُتغطرساً، متجبِّراً، والقومُ عن مبارزتِه مُحجمونَ، بعد أن قتل من صناديدهم عدداً كبيراً!.. وسمع الفتى داودُ طالوت، يبعثُ النخوة في نفوس جنده، ويثيرُ فيهم الحماس:
- من لهذا الطاغية يقيناً شرَّه، ويكفينا أمره، على أن يكون ملِكاً من بعدي، وزوجاً لابنتي؟..
ثارت الحميةُ في نفس داود، فاقترب من طالوت مستأذناً بمبارزة هذا الطاغية الجبّار. فنظر إليه "طالوتُ" كالمستصغر شأنه،.. إنه فتىً غرٌ، لايزالُ في ميعةِ الصِّبا، وطراوته، لم تحنِّكهُ الأحداثُ ولاوقائعُ الحروب، فأعرضَ عنهُ.
ولكنَّ الفتى ألحَّ على طلبه، وأصرَّ، فقال لطالوت:
- " لايخدعنّك مني ياسيدي، صغرُ الجسم، وحداثَةُ العُمر، وقماءةُ المظهر (أي: حقارته) فالشَّجاعة في جراءة النفس والجنان، لافي ضخامة الأجسام والأبدان.
بالأمس القريب عدا على إبل أبي أسدٌ ضارٍ، فما زلت أنازلُه حتى ضرعتُه. وبعد ذلك بأيامٍ اعترضَني دبٌّ هائلٌ، فما زلتُ به حتى أرديتُه.
ورأى "طالوتُ" في بيان الفتى صدقاً، وفي لهجته ماينمُّ عن تصميمٍ واندفاعٍ!.. فأذِنَ له،.. وأدناه منه، وألبَسهُ لأمةَ حربه، ودرعَه، وقلَّده سيفَه. ولكنَّ جسم الفتى النحيل، ناء بما أسبغ عليه من الحديد الثقيل. فخلع ذلك كلّه، وألقاهُ أرضاً وحمل عصاه ومقلاعهُ، واصطحب أحجاراً مُلساً، وتهيَّأ للخروج.
فقال له "طالوتُ": كيف القتالُ بالعصا والمقلاع، وهذا مقامُ السيف والنِّبال؟.
فأجابهُ داودُ: إنّ الله الذي نصرني على الأسدِ والدُّبِّ، كفيلٌ بنصري على هذا الطّاغية الكفّار!..
ومضى، لايلوي على شئٍ..، ولاحقتهُ عيونُ القوم، لهفى، بحذرٍ!.. فليس داودُ من أنداد جالوت الأكفاء!.. ومتى كان للحمل الوديع أن يبارز الضِّرغامَ الهصور؟.. (أي: الأسد الفتَّاك).
ونظر جالوتُ إلى هذا المتقدِّم نحوه،.. إنه فتىً غريرٌ، كالأملود الطريِّ، لم تتفتَّح منهُ البراعِمُ، بعدُ، وحدجهُ بنظراتٍ حدادٍ،.. فأين السِّلاحُ يحملُه؟..
وهزئ من هذه العصا، يحملها، وذلك المقلاع، أتُراهُ يرعى ضأناً في واد؟.. أم تُراه يروم لعباً؟.. والحرب جدٌّ، وموتٌ، لامجال فيها لعبث الصبيان ولهو الصِّغار!.. وصرخ جالوت بداود ينصحهُ، بالعودة، يلعبُ مع الصِّبية، من أترابه، ويَلهو،.. فللحرب رجالُها، قبل أن تُخطف منه قصارُ الأنفاس!..
فلم يُجبه داود بكلمةٍ. بل مدَّ يدهُ إلى كيسٍ، على جانبه، تدلّى،.. فتناول منه حجراً أملس، أصمَّ ،داكناً، ووضعه في مقلاعه الصُّوفيَّ، وأرسلَه على "جالوت"، فسُمِعَ له أزيزٌ في الهواء،.. وأصاب جالوت، فشجَّ جبينه، وخضَّب وجهه بالدَّم.. فاستشاط "جالوتُ" غضباً، وقد سال دمُهُ دافقاً، حاراً، وغلى دماغُه،.. وهجم على هذا الصبيَّ اللّعوب يريد اختطاف أنفاسه، فرماهُ داودُ بحجر ثانٍ صكَّ وجهه، وثالثٍ، أصابَ به أم رأسه، فخر جالوت، عن جواده، يتخبَّطُ بدمِه، كالثَّور المذبوح، وهو يخورُ!..
فلما رأى جندُ "جالوت" ماحلَّ بقائدهم، زاغت منهم القلوبُ والأبصارُ، فأركنوا للفرار، وتبعهُم جندُ "طالوتَ" يُعملون في قفاهم سيوفاً ورماحاً، وقد ولّى أعداؤهُم الأدبار!..
وأصبح داوُد محطَّ أنظار القوم، وموضع إعجابهم، فإليه تشيرُ كلُّ بنانٍ (أي: إصبع).
* * *
* داود وطالوت :
وفي طالوت بعهده، وصدق بوعده، فزوّج داود ابنته (مكيالَ).
وشدَّت طالوتَ إلى صهرهِ الفتى المؤيَّد، المسدَّد، أواصرُ نسبٍ وقربى، وروابطُ مواطنِ صدقٍ وجهاد!..
ولكن طالوتَ، ضاقَ، بعد زمنٍ، بداود، ذَرْعاً!. وقد أصبح هذا الفتى مسموعَ الكلمةِ في قومه، نافذ الرأي، مُهاب الجانب، فهو بالنِّسبةِ لهم موئلُ أملٍ، ومعقد رجاءِ!.. إنه ينتقِلُ بهم في المعارك التي يخوضونها، من نصرٍ إلى نصرٍ، تحوطُه عنايةُ الله، وترعاهُ، فكأنَّ الأقدارَ طوعُ يمينِه يتصرَّفُ بها كيفَ يشاءُ!.
ويشعر داودُ بتغيُّر طالوتَ عليه.. فطالوتُ لايلقاه إلاّ عابس الوجهِ، مُقطِّبَ الجبين، مكفهرَّ المُحيَّا، فما الّذي دهاه؟.. وأين بسمته الأنوسُ، وحديثُه الودود، وطبعُه الصَّافي، كالماء الزُّلالِ؟..
ويُفضي داودُ إلى زوجه "مكيالَ"، بما يلاحِظهُ على أبيها من تجهم، وانقلاب وإعراضٍ،.. فتبوحُ له بالسرِّ: لقد داخَلَ أباها حقدٌ على داودَ وضغيتةٌ، فالحسدُ ينهشُ قلبّه، وقد أصبحَ صِهرُهُ قبلةَ الأنظار. وتنصحُه بأخذِ الحيطةِ، واتِّخاذ الحذرِ. فليس كمثلهِما واقٍ لمن أرادَ على نفسه الإبقاء.
استدعى طالوتُ داودَ إليه يوماً، فمثلَ بين يديهِ.
وبلهجةٍ لاتخلو من حقدٍ ينضحُ، قال طالوتُ لداوودَ:- إن كنعانَ قد قويَت شوكتَهُم، وعظُمَ خطرهُم، وتمادى اذاهم، وشرُّهم، ألّبوا جموعهم يريدون النَّيل من "شعب الله المختار"!... فسِر إليهم، على بركة الله، مع مَن تراهُ من قادةٍ وجندٍ لاستئصال شوكتِهم، وإيّاك أن تعودَ إلاّ وسيفُك يشخُبُ من دمائهم، أو محمولاً على أعناق الرجال!.
وأذعَنَ داودُ لأمرِ طالوتَ، سيِّدِهِ، ومولاه. وما كان له إلاّ أن يُذعنَ ويطيع!.. وظنَّ طالوتُ أنه كُفي أمرَ داود، فهو قد أرسله إلى المقبرة لا إلى المجزرة!..
وتقدَّم داودُ بجيشه زاحفاً على الكنعانيين في عُقر دارهم، فشتَّت جموعهم، ودمَّر مُلكَهم، وكان يرمي نفسَه في كلِّ مهلُكةٍ، لايبالي أوقع على الموت، ام وقع الموتُ عليه!.. ولكنّ الله كان له حفيظاً، وناصراً، ومسدِّداً، ومؤيِّداً- فعاد، منتصراً، ظافراًن ترفرفُ فوقه بيارق الفوز المبين.
ورأى طالوتُ ذلك، فَغُمَّ، واهتمَّ، وتكدَّر خاطرهُ، وثارت وساوسهُ وهواجسُه،.. لقد شاء أمراً، وشاءَ الله أمراً آخر. ولله مايشاء!..
ويزدحمُ رأسُه بأفكارٍ سود... فيقرِّر التخلُّص نهائياً من داود، ولايكون ذلك إلاّ بقتله. فأضمر له كُلَّ سوءِ، وانطوت جوانحه المضطربة على قرارٍ أسود، خطيرٍ، ينتظر، لتنفيذه، الفرَصَ السَّانحات!.. فيخلو له الجوُّ عندئذٍ، وقد أصبح في بني إسرائيل فرداً أوحد، دون منافس، أو منازع، أو شريكٍ!..
وعلمت (مكيالُ) بما يُبيِّتُ أبوها، وما عزم عليه من فادح الشرِّ والبلاء.. فأطلعت زوجها على الأمر، فهتفَ بها:
- أإلى هذا الحدِّ، وصل الأمر بأبيك، ياابنةَ الكرام؟..
وفرَّ داودُ هارباً تحت جُنح الظّلام!.. ولحق بداود أنصارٌ وأعوانٌ. وافتُضح أمرُ طالوت، وانفضَّ عنه أتباعٌ وجندٌ. فلجأ إلى السيف، فلَه، وحدَه، فصلُ الخطاب!.. وثار عليه عُلماءٌ، وناصبه العداء قُرّاءُ، فأعمل في رقابهم السيف البتّار. وألقى الرُّعب في قلوب من حوله، وبدا لهم بطّاشاً، جبّاراً، دمويَّاً!..
والدّمُ يستتبعُ الدمَ!.. فليس لمعارضيه ومناوئيه إلاّ حدُّ الحُسام!.
فعلت الصّرخةُ،.. وباتت القلوبُ ترعدُ حقداً على هذا الطّاغية السفّاح، الّذي انقلب على من حوله من الرِّجال الأخيار!.
وخرج داودُ في ليلةٍ دكناءَ يتحسَّسُ أمر طالوت، فوجدهُ يغُطُّ في سباتٍ عميقٍ، وحوله ثُلَّةٌ من الجند يرقُدون.
فدنا منه على حذرٍ وترقُّبٍ، وئيدَ الخطو، رشيقَهُ، كالنَّملةِ في دبيبها على صفاةٍ. (أي: حجر أملس) فوجد الرمح إلى جانب طالوت، فاستلّه بخِفَّةٍ، وعاد!.
وأفاق طالوتُ بعد ساعةٍ، وتلمَّس رمحه فلم يجده، وتفقَّد جُنده فإذا هم نيام!.. فصاح بهم، فهبُّوا، وهم يفرُكون أعيُنهم، مذعورين.
وسألهم بصوتٍ هدّار: من المتجرِّئ على سلطان بني إسرائيل، فانتزع رمحه الذي كان إلى جانبه؟ فمطُّوا شفاههم، مستغربين، مُستنكرين، ونظر بعضُهم إلى بعضٍ، متسائلينَ، وقد قلقوا سيُوفهم في أغمادها،:
- الويل للمتجرِّئ الوقاح!..
وأرسلَ داودُ إلى "طالوت" رسولاً: إن رمحك معي. وقد أمكنني الله من نفسك ولكنَّني لم أبسُط إليك يداً بأذىً مخافة الله ربِّ العالمين. فلعلَّ في ذلك عبرةً لك واتعاظاً، لتُقلعَ عمّا أنت سادرٌ فيه من عماوةٍ وجهالةٍ، وغيٍّ وضلال!.. وكان لهذه الكلمات أثرُها الفعَّالُ في نفسٍ طالوت، فأصبح كمن بدأ يعودُ إليهِ رشدُه تدريجيَّاً، متلمِّساً سبيل هداه!.. وتحرَّكتْ نوازعُ الخير في نفسه، فأعلن أسفهُ على مافرَّطَ في جنب الله، وعضَّ أصابع النّدم على مااجترم من موبقاتٍ، وما أهدر من دماء الصالحين، وعلى مافتك بعلماءَ وقراءَ أخيارٍ!.. فهام على وجههِ فسي الصحراء، ينشُد (أي: يطلب) غفرانَ ربِّ الأرضِ والسَّماء، حتَّى وافاهُ الحِمام (أي: أدركه الموت).
وعلم بنو إسرائيل بهلاك الطّاغية، فهُرِعوا إلى داود مؤيدين، وتهافتوا عليه مُبايعين وشدَّ الله ملكه، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب!.. وآتاه الله أيداً (أي قوةً وسلطاناً) من لدُنه، وسُلطاناً مبيناً، وسخَّر له الجبال مسبِّحاتٍ معه صبحاً وعشياً. وحشد الطيرَ له، فهي طوعُ أمره بما يُريدُ ويشاء!..
وتحكي الرواياتُ قصة المزامير، فتنسُبُ إلى النبيِّ داودَ مجموعةً من مئة وخمسين نشيداً، تُعرفُ بمزامير داود، وتؤلِّفُ سفراً من التوراة.
* داود والفتنــة :
كان "أوريا بن حنان" من خيرة فتيان بني إسرائيل الصالحين.
فلما تاقت نفسُه للزواج، وجد في "سابغ بنت شائع" ضالّته المنشودة.
إنها على اوفر قسطٍ من الجمال والكمال والملاحة والصَّباحة، في فتيات بني إسرائيل. فطار إلى أهلها يخطُبها إليهم، فأجابوه مرحِّبين. وتوثَّقت بينهم وبين الفتى الوسيمِ وشائجُ (أي: روابط) قربى، وأواصرُ نسب.
ودعا داعي الجهاد. فهبَّ "أوريا" منخرطاً في صفوف الجند. وتقاذفتهُ المعاركُ من أرضٍ إلى إرضٍ. ومن ميدانٍ إلى ميدان. ومرَّت عليه، وهو يتنقَّل مقاتلاً، مجاهداً، بضعُ سنين. وقد أبلى في سبيل الله أحسن البلاء!..
وكان يمنِّي نفسه أن يمنَّ الله عليه بالعودة إلى أهله سالماً فيقضي حياته مع شريكةِ عمره، بسعادةٍ ونعيم!.
وفي إحدى المناسبات، وقع نظرُ داود على "سابغ"، فوقعت في نفسِه، وهامَ بها حبّاً!. لقد خلبَ لبَّه جمالُها الآسرُ الطاغي. وليس بين أزواجِه، وهن عشرات، يمتلئُ بهنَّ قصرهُ الرحيب، كسابغٍ جمالاً وحسناً، ووضاءة وجهٍ، ولألاء ابتسامةٍ!..
فتقدّم من أهلها يطلبها إليهم زوجاً له، تنزل في قصره على بحبوحةِ نعماء، وثراء.. فأسرعوا إلى تحقيق رغبة ما يبتغيهِ نبي الله، ومليكهم العظيم.
وأصبحت "سابغ" زوجَ داود الأثيرةَ عنده. وذاتَ الحُظوةِ، والَّدلِّ، والدَّالَّة، والشأن الرفيع. فقَّرِّ داودُ بها عيناً.
وكان داودُ، الملك - النبيُّ، يقسمُ وقتَه أرباعاً:
- فربعٌ لنفسه: يأخذ حظَّه من نعيم الدنيا، ومما آتاه الله من واسع الفضل، وعريض السلطان،...
- وربع لعبادة ربه: يتهجَّد، ويتعبَّد، فهو أمام مولاه جبّار السموات والأرضين، عبدٌ مسكينٌ مستكينٌ.
- وربعٌ للفصل بين الناس، والقضاء في ماهم فيه يختصمون، وللعدل أن يأخذ مجراه.
- وربع أخيرٌ لبني قومه، يعظهُم، ويُرشدهم إلى سواءِ الصِّراط!.
وكان على بابه جندٌ وحرسٌ. فداود قد أخذ نفسَهُ بنظامٍ، تعارف عليه، أيّامذاك، كلُّ الناس. فلكلِّ شئٍ إبّان! (أي: لكلٍ وقته).
وبينما كان نبي الله داود منصرفاً في قصره، إلى بعض شؤونه، وإذ برجلين قد انتصبا أمامه وكأنّهما هبط عليه من السماء. وسألهما داود عما يبغيان. فصرَّحا بأنّهما أتيا، مختصمين، إليه، فيحكُم بينهما بالعدل، دون شططٍ، ولا إسرافٍ!..
وتلفَّت داود حوله، فمن أين دخل الرجلان؟ وكيف غفلت عنهما أعينُ الحُرّاس؟.. فاحتكام الخصوم ليس هذا وقتُه. وابتلع ريقه بعد أن لم يجد بداً من الفصل في ماهما فيه مختلفان!..
قال أحدُهما: (إن هذا أخي له تسعٌ وتسعونَ نعجةً، ولي نعجة واحدة)- والعرب تكني عن المرأة بالنّعجة، فكأنه يقول، كما يراه بعض المفسِّرين، إن لأخي تسعاً وتسعين امرأة ولي أمرأةٌ واحدة- فما زال يغالبني في حجته وبيانه، ومنطقه وبرهانه، حتى غلبني، فأخذها مني.
فالتفت داود، نافراً مما يسمع، إلى الرجل الآخر، مستوضحاً
- أحقاً مايقول خصمُك؟
ويجيبُ الرجل: أجل، ياسيدي!..
- ولم؟.. يصيح داود مستغرباً.
فيجيبه: ليكمل عدد ماعندي إلى المائة!.
فاستشاط داود غيظاً، وانتفخت أوداجه حنقاً، أمام الظُّلم الصُّراح. فصرخَ متهدداً:
- والله، لايكون ذلك. فهذا ما لاحقَّ لك فيه، وإن وإن رمتَه، وأصررتَ عليه، ضربنا منك الجبهَة، والخيشومَ (أي: الأنف).
ويشيرُ الرجل بسبّابتِه إلى داود، قائلاً: من فمِك أدينُك يانبيَّ الله!..
فما بالك، وأنت الّذي يغصُّ قصرُه بتسعٍ وتسعين من النساء الحِسان، تنفَسُ (من المنافسة) على (أرويا) زوجتَه الوحيدة، ولاتحفظُ له، وهو يجاهد في سبيل الله، عهداً في أهله، ولاترعى له ذمام حرمة؟..
وشعر داودُ، وكأنَّ السيفَ صدَعَ رأسه، فأُصيب بالذهول، ولم يُحِر جواباً!.
وأطرق إلى الأرضِ لحظةً، ثم رفعَ رأسه ليردَّ على الرجل، فهو لايعلم من أمر خطبةِ "سابغ" على "أوريا" شيئاً.
ولكن الرَّجلين اختفيا، وكأن الارض ابتلعتهما!.. وحملق داود في أرجاء البهو، فلم يجد أحداً،.
وخانتهُ قواه، فلم تعد قدماه تحتملان النهوض بجسمه،.. فخرَّ إلى الأرضِ ساجداً، منيباً، مستغفراً، تائباً، ودموعه تنحدر على وجنيه كلاذع الجمر، فتبتلُّ بها كريمتُه (بمعنى لحيته) التي وخطها المشيبُ. وألقى في روعه أنه كان بحضرة ملكين كريمين، أتياه مؤدِّبين، فعلِّماه مالم يكن يعلم، تلميحاً منهما، ورمزاً!.. وغفر الله لداودَ زلَّته!..
ولنستمع إليه تعالى في هذه الحادثة الفريدة:
(وهل آتاك نبأُ الخصمِ إذ تسوَّرُوا المحرابَ. إذ دخلُوا على داود ففزع منهُم، قالوا: لاتخف. خصمان، بغى بعضُنا على بعضٍ، فاحكُم بيننا بالحقِّ ولاتشطُط، واهدِنا إلى سواء الصِّراط. إن هذا أخي لهُ تسعٌ وتسعونَ نعجةً ولي نعجةٌ واحدةٌ، فقال: أكفلنيها. وعزَّني في الخطاب. قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. وإنّ كثيراً من الخُلطاء ليبغي بعضُهُم على بعضٍ، إلاَّ الّذين آمنوا وعملوا الصَّالحات، وقليلٌ ماهُم. وظنَّ داودُ أنّما فتنّاهُ فاستغفرَ ربَّهُ، وخرَّ راكعاً وأناب) (صدق الله العلي العظيم).
* عدوانُ أصحاب السبت :
أقرَّ الله لبني إسرائيل، على أن يكون السبتُ يوماً ينقطعون فيه للصلاة، ويعتكفون للعبادة!.. واستمروا على هذا الحال، ردحاً من الزمن، طويلاً.
وكان نبيُّ الله داودُ يحُضًّهم على ماهم عليه من تقديس يوم السّبت،.. ويحثُّهم على الانقطاع فيه لعبادة الله، وأعمال البرِّ، والتقرُّب إليه تعالى بالدُّعاء والصلاة. فلا تجارة في هذا اليوم، ولاصيد، ولا صناعة.
وكان في "أيلة" - القرية الواقعة على شاطئ البحر الأحمر- جماعةٌ من بني إسرائيل، يعبدون الله تعالى، ويُسبتون (أي: ينقطعون لله في يوم السبت)، كبقيّة بني إسرائيل. وكان البحرُ مورد رزقهم الوحيد، فهم يعيشون على صيده..
وشاء الله امتحانَهُم: فكانت (تأتيهم حيتانُهم يوم سبتهِمُ شرَّعاً، ويوم لايُسبتونَ لاتأتيهم!). وكانوا يرون ذلك، فيتنغصون..
الأسماكُ السِّمانُ، الكِبار، في مُتَناول أيديهم في كل سبتٍ، وفي ماعداه من أيام الأسبوع، فلا صيدَ، ولا أسماك!..
وحدثتهم أنفسُهم بالصَّيد، يوم السبت، وخرق العادة التي انتهجوها سنين طوالاً. واحتالوا على الأسماك، فاصطادوها في يوم سبتهم، الحرامِ!..
فذُعرَ من ذلك مؤمنو بني إسرائيل، وصُلحاؤهم الأبرار. ووجدوا في ماأقدم عليه قومهم، مروقاً (أي:خروجاً) من الدِّين، ومجاهرةً بالفسق والعصيان. فوعظوهم، وزجروهم، فلم يُغْنِ وعظٌ، ولم يُجدِ ازدِجارٌ!.. وأصرُّوا على الصَّيد في اليومٍ الحرام!..
ونهاهم نبي الله داودُ، وخوَّفهم عذابَ الله، وأليمَ عِقابِه، فلم يَرعووا..
واعتزلهم مؤمنو بني إسرائيل، فليس الكافرُ، المبارزُ الله بالمعصية، للمؤمن جاراً!.. وأقاموا بينهم وبين هؤلاء الفسقةِ جداراً: فهذا حيُّ المؤمنين الأطهار، وتلك ديار الكافرين الأشرار. وازداد الفسقة على ماهم عليه إصراراً، واستكباراً!..
ورفع نبي الله (ع) يديه الكريمتين إلى السماء داعياً عليهم بعذاب الله. فزلزل الله الأرض بالكافرين، فدُمِّروا تدميراً.
وقال لمن تبقى منهم على وجه الأرض، حياً: (كونوا قِردةً خاسئين!).. فكانوا مسوخاص ولاأحقر!..
ومُسخ من كان في البحر، فكانوا "سمك الجري" الأملس، الذي لازعانف له ولاحراشف،.. بل جلدٌ أملسُ ناعمٌ، كجلد الحية الملساء!..
وهكذا حقَّت كلمة العذاب على القوم الكافرين!..
* سليمان خليفة أبيه من بعده
بعد حادثة الغنم التي نفشت في حرثِ القوم (وقد وردت مفصلة في قصة النبي سليمان (ع)، ظهر أمرُ سليمان، وكان صبيّاً يافعاً، بعد أن أجرى الله على لسانه حكمةً، وفصلَ خِطابٍ.
و أخذ داودُ يتعهَّد ابنَه سليمان، وقد أوحى الله إليه، أنَّه الخليفةُ من بعدك، ونبيٌّ، ومن الصّالحين!.
ولكن، ها هوذا "أبشالوم" ابنُ داود، القويُّ العتيدُ، والجبّارُ العنيدُ، المقصيُّ عن حظيرةِ قدس النبوَّة، وسُدّةِ الحكم والسُّلطان،.. وقد أضمر لكلٍّ من أبيه داود وأخيه سليمان، شرّاً مستطيراً!..
فكيف تؤولُ (أي: تنتهي) الخلافةُ والنبوَّةُ من أبيه إلى سليمان، وهو الأقوى، والأشدُّ، والأمنعُ، والأعزُّ؟.. فتقرَّب "أبشالوم" إلى بني قومه، وأغدق عليهم كلّ عطفٍ وعطاء، حتى استرقَّ (أي: استعبد) قلوبَهم، وتمكَّن من نفوسِهم. فكثُرَت جماعتُه وأعوانُه فلما أطمأنَّ إلى ذلك، نادى فيهم بالثورة على أبيه وأخيه، فثاروا، واشتدّت الفتنةُ بينهم فكانت كالريح العاصف، واضطرب أمرهم. ونظر داودُ حواليه فلم يجد لنفسه إلاّ أن يفرَّ هارباً، فصعد جبل الزيتون بمن معه حافيا باكياً، وهنالك، تضرَّع إلى الله تعالى أن ينجِّيه مما حاق به من بلاء..
والتحق بداود قادةُ جيشه، وأنصارهُ، فطلب إليهم العودة، مشدّداً على أن يعالجوا الأمور مع ابنه "أبشالوم" بالحكمة، والحسنى، وأن يحافظوا على حقن الدّماء، ماوسعهم الأمرُ، لايدّخرون في سبيل ذلك جهداً.
وانتهى الأمر بقتل "أبشالوم" ووُئدَت (أي: دفنت حيّةً) الفتنةُ، وعادت الأمورُ إلى ماكانت عليه.
* النهايـــة
وانصرفَ نبي الله داودُ إلى ابنه سليمان، فهو وريثُه، والنبيُّ من بعده، في بني إسرائيل، كما شاء الله وأراد.
وقرَّت عينا نبي الله وهو يرى ابنه يتدرَّج في مراتب النُّبُوَّةِ، ومقاليد الملك، ومعارج السلطان!.. كيف لا!.. وقد آتاه الله من لدنه، حكمةً، وفصل خطابٍ، وسيؤتيه من الملك والسلطانِ على طوائف الإنس، والجنِّ، وطير السماء، ووحش الأرض، وقد علّمه الله لُغاتها، ومنطقها، جميعاً فهو يأمرها بما يريد، وينهاها عمّا يشاء!..
وأخيراً،.. فقد آن للجنديَّ المحارب أن يأخذ حظَّهُ من الراحةِ، وقسطه من الهدوء.. وما ذلك إلاّ بانطلاق روحه الشريفة في رحاب الله اللامتناهي، وملكوته الأعلى اللاّمحدود.
فقضى،.. وقد شاعت على ثغره الوضئ إبتسامةُ سعادةٍ ورضى!..
أميرة القطيف
05-11-2008, 10:52 AM
شكرا لك اختي الكريمة ..
جزاك الله خيرا ..
عاشقة حيدر
05-24-2008, 10:55 AM
شكرا لك اختي الكريمة ..
جزاك الله خيرا ..
السلام عليكم
مشكورة صدى على المتابعة
تحياتي
sweet girl
05-24-2008, 11:09 AM
موفقة عاشقة
تسجيل متابعة
عاشقة حيدر
06-06-2008, 11:48 PM
موفقة عاشقة
تسجيل متابعة
السلام عليكمـ
مشكور سويت على المتابعة
تحياتيـ
عاشقة حيدر
06-17-2008, 04:58 PM
النبي إسحاق عليه السلام
البشارة
ولادة إسحاق(ع) :
بعدما طغى بوم نبي الله لوط (ع)، بعث الله عزوجل ثلاثة من ملائكته، لينزلوا بهم العذاب الذي يستحقونه، فمروا بإبراهيم(ع)، وكان متزوجاً من سارة بنت بتوايل بن ناحور إبنة عمه وابنة خالته، وكان قد بلغ من الغمر عتياً، دون أن يرزق منها بولد.
وعمد خليل الرحمن(ع) إلى عجل سمين أتى به وذبحه إكراماً لأضيافه، وهو لايعرف أنهم من الملائكة، ولماذا جاؤوا. فلما انتهى من إعداد الطعام، وقدمه للضيوف، فوجئ(ع) بأن الضيوف لايأكلون.. فأوجس منهم خيفة، وبدت عليه علامات الخوف والإستغراب، فأدرك الملائكة ذلك فقالوا له: (لاتخف إنا رسل ربك إلى قوم لوط).
هدأ روع إبراهيم(ع) قليلاً ولكنه جاهر بخوفه قائلاً: (إنا منكم وجلون). وعاد الملائكة إلى طمأنة خليل الله(ع) فقالوا له: (لاتوجل إنا نبشرك بغلام عليم).
كان إبراهيم عليه السلام قد بلغ سن الهرم واليأس من الإنجاب، وكانت زوجته سارة هي الأخرى واقفة لاتصدق ماتسمع أذناها، قال إبراهيم(ع): (أبَشرتموني على أن مسّني الكبر! فبم تبشرون) وقالت سارة: (ياويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً! إن هذا لشئ عجيب) فما كان من الملائكة إلا أن أكدوا لهما حصول الولادة في هذا الوقت قائلين: (أتعجبين من أمر الله؟ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد)..(كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم).
وبعد ولادة إسماعيل بن إبراهيم(ع) بخمس سنوات وبعد أن بلغ خليل الله إبراهيم مئة وعشرين سنة من العمر، ولد إسحاق بن إبراهيم(ع) غلاماً عليماً ثم شاباً صادقاً وسيماً كأن وجهه شقة قمر، ومن ثم (نبياً من الصالحين).
زواجــه(ع) :
أدرك الكبر إبراهيم(ع) وعجز عن الحركة ومباشرة الأعمال بنفسه، وكان إسحاق قد بلغ سن الزواج، فأمر إبراهيم(ع) أحد خدمه وهو العازر، أن يسعى لتزويج إسحاق(ع) من عشيرته وقبيلة بني أبيه، الذين كانوا لايزالون في العراق، الموطن الأصلي لخليل الله إبراهيم(ع)، وأمره أن يحمل معه من الهدايا والجواهر مايليق بالعروس وأهلها.
وتهيأ ألعازر للسفر، وقد أخذ معه الهدايا والتحف الثمينة، وساق من الجمال والدواب ما يجعله لأهل من ستكون عروساً لإسحاق(ع)، وتوجه نحو العراق، قاصداً منازل أسرة النبي إبراهيم(ع)، فلما وصل إلى هناك، وصار قريباً من ديارهم، حط الرحال في مكان يقال له: فدان آرام، وفيها أبناء أخي إبراهيم ناحور بن تارح الذي كان قد توفي وترك الرئاسة لابنه بتوئيل بن ناحور.
أقام ألعازر قريباً من منازل بتوئيل، مما أتاح له رؤية فتاة كريمة جميلة، كانت تحمل جرة ماء، فأوقفها وسألها أن تسقيه من الماء الذي تحمله، فرحبت به وأنزلت جرتها وسقته.
ثم إن ألعازر راح يحادثها، ويسألها من تكون؟ فإذا هي رفقة إبنة بتوئيل بن ناحور أخي إبراهيم(ع) فقال في نفسه: هذه هي العروس المناسبة لإسحاق، وسألها ألعازر ما إذا كان عند والدها مكان للضيافة، فقالت: نعم.
وعرّف ألعازر رفقة بنفسه، وأنه رسول عمها إبراهيم إليهم، وأنه جاء يطلب زوجة لابن عمها إسحاق بن إبراهيم(ع)، وإنه اختارها هي لتكون تلك الزوجة، ثم إنه ألبسها من الحلي والجواهر وطلب إليها أن تذهب لتخبر أهلها بقدومه إليهم.
عادت رفقة إلى أهلها، وأخبرتهم بنبأ الضيف العزيز، فقام أخوها لأبان بن بتوئيل، لملاقاته واصطحابه إلى ديارهم، حيث أتى به وأكرمه وسط مظاهر الفرح والبهجة.
وبعد أن ارتاح ألعازر قليلاً، أخبر مضيفه لابان بسبب زيارته لهم، وطلب منه أن يوافق على أن يصطحب أخته رفقة معه إلى فلسطين حيث ابن عمه إسحاق(ع) لتكون له زوجة. فأجابه لابان إلى طلبه، وقد وافقت رفقة على ذلك.
أعطي ألعازر الهدايا التي حملها معه من فلسطين إلى رفقة، وخلع عليها الحلى والثياب، كما أعطى أهلها بعضاً من تلك الهدايا التي كان يحملها، ثم استأذن بالعودة، فجهزة لابان أخته رفقة بما تحتاجه استعداداً للرحيل.
وعاد ألعازر ومعه رفقة، فلما وصلوا إلى فلسطين حيث إسحاق(ع) وكان والده ووالدته قد توفيا، فرح كثيراً برفقة، وكانت له عزاء عن فقدهما.
وهكذا، تزوج إسحاق(ع) من ابنة عمه رفقة، ورزقه الله منها بولدين توأمين هما: العيص ويعقوب.
وفاة إسحاق(ع) :
عاش إسحاق عليه السلام، محباً لولديه، متعلقاً بهما، بحيث كان دائم الدعاء لهما، فقد كان(ع) يدعو لولده العيس بالملك والسلطنة في ولده ومن تبعه، وفي المقابل كان يدعو لولده يعقوب بالرياسة على إخوته وأهله والنبوة في ولده..
وعمَّرَ إسحاق(ع) كثيراً، حيث فقد بصره قبل أن يوافيه أجله وله من العمر مائة وخمسة وثمانون عاماً، توفي بعدها في مسقط رأسه فلسطين، ودفن فيها مع والده إبراهيم الخليل(ع) في جيرون على بعد ثمانية عشر ميلاً من بيت المقدس في المسجد المعروف بمسجد إبراهيم الخليل(ع). فسلام الله عليه وعلى والده خليل الرحمن.
حامدحنني
08-22-2008, 07:17 AM
مشكووووووووووووووووووور
عاشقة حيدر
08-22-2008, 09:06 AM
مشكووووووووووووووووووور
السلام عليكم
مشكور حامد على المرور الكريم
تحياتي لك
عاشقة حيدر
10-05-2008, 06:57 PM
السلام عليكمـ
النبي هود عليه السلام -القائم
من هنــــا (http://aitaroun.com/vb/showthread.php?p=38657#post38657)
تحياتي الحيدرية
عاشقة حيدر
عاشقة حيدر
04-11-2009, 10:27 PM
السلام عليكمـ
قصة النبي لوط عليه السلام
من هنــــــــــــــا (http://aitaroun.com/vb/showthread.php?p=60886&posted=1#post60886)
تحياتي الحيدرية
أميرة القطيف
05-15-2009, 09:12 PM
مأجورة اختي عاشقة حيدر على القصص القيمة
تحياتي
عاشقة حيدر
05-17-2009, 10:53 PM
السلام عليكمـ
مشكورة اميرة على المرور الكريم
تحياتي الحيدرية
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir