أميرة القطيف
04-05-2008, 10:51 PM
بـــيـت الـعـجــوز
(من قصص المقاومة )
http://www.arab.fm/image/uploads/aba043c88d.jpg
أعطيتها كل مالي... هكذا قال لي عندما كنا عائدين...
أبو حسن
كان البيت الصغير يرتمي عند أسفل القرية الموزعة على تلة غير عالية، وقد تلفع ببضع شجيرات ليمون كامدة. كنا نمضي بين يوم وآخر مارين بالساحة وكنا نتشبث بالأشجار المتناثرة على جنبات الطريق لندلف نحو زقاق منحدر مفروشٍ بالحصى وعلى جانبيه ارتصفت بيوت قديمة من الحجر وقد تدلت من سقوفها أنواع العرائش المزهرة، وحين ينتهي الزقاق يتصل بدرب ترابية شديدة الإنحدار.
كنا نصل باب الدار فنحني رؤوسنا لندخله، وكانت العجوز التي أحنت ظهرها السنون تستقبلنا بوجه لم يعد فيه مكان لابتسام. كانت في وحدتها أمام مدفأة صغيرة مع إطلالة الخريف الباكرة، وتحت سيل ظلال الأشجار المتدفقة عبر النافذة، كأنما قد توقف الزمن في قلبها. كانت بلا أولاد أو معين أو معيل، تغمرها الوحدة في وادٍ تصفر فيه رياح الغربة، رغم أن القرية كانت في تلك الأيام تعج بساكنيها. أما قُوتها فيأتي من بقعة أرض صغيرة زُرعت فيها بعض الخضار والبطاطا، وما يجود به أحدهم.
كان محمد يصطحبني، حاملاً قليلاً من اللحم وبضع وريقات نقدية، لنمضي بضع دقائق في عالم مرهق بالفقر والوحشة، بعيد عن الضوضاء، متدثر بالحزن بين أكناف القدر.
عجل محمد ليصطحبني لزيارة العجوز وكان في يده كيس كبير من اللحم. فتحت الباب لنا بظهرها المحني دوماً، ثم راحت واستلقت على سرير حديدي بالٍ، كان الوهن يدب في جسدها يوماً بعد يوم، وكان البساط الرقيق الذي يغطي أرض دارها الصغيرة لا يجدي شيئاً في تخفيف برودتها. خرجت من الباب:
أنا بانتظارك في الخارج.
ها أنا قادم.
أعطيتها كل مالي... هكذا قال لي عندما كنا عائدين... لعل مزيداً من المال سيأتيه، لكن من أين له هذا الفقير دوماً وأبداً...كل شيء ممكن في هذه الأيام القاحلة... لست أدري. كنت أفكر فيما فعله، وعندما التفتُّ إليه علني أرى بين عينيه جواباً ما، بدد تلاقي نظراتنا كل أفكاري.
مساء ذلك اليوم زارني محمد ثانية، وقف بالباب وقال:
لدينا عمل مستعجل... الصهاينة يتقدمون عبر الوادي.
سأرتدي بذلتي وآتي.
مشينا على حذر، ورحنا نقطع ذلك الزقاق. كان مدد الرفاق سيوافينا في الطريق، لكن إصراره على استباق وصول الجنود إلى القرية دفعني للّحاق به، وإن على مضض... كانت علامات الهدوء بادية في مشيته... اقتربنا من منزل العجوز، فافترق محمد عن الطريق وقصد منزلها:
إلى أين أنت ذاهب؟... هه، ماذا تفعل؟ وهل هذا وقته؟
إن لم يكن الآن فمتى؟
انتظرته أتلفت يميناً ويساراً، كنت أراقب التلال والجبال لعل الصهاينة قد اقتربوا من المنطقة. مرت بضع دقائق ومحمد ما زال عند الحبيبة العجوز. نظرت صوب باب البيت العتيق فإذا بمحمد يخرج منه والعجوز تلحق به والدموع تسطع لمعانا بمقليتيها. بدت وكأن قلبها يترجاه ألا يغترب عنها أو يتركها وحيدة.
التعابير الحزينة بدت على وجهها رغم التجاعيد التي بصمها مرّ الزمن والفقر. أخيرا انهمرت تلك الدمعة الطاهرة ويديها مرتفعتان إلى السماء بدعاء "الله يجازيك يا إبني ويردّك بالسلامة". كانت لحظة حاسـمة تفتفت الصخر.
اقترب منها محمد. قبّل كتفها وقال: "توكلي بالله وإدعي لنا بالتوفيق" ثم مشينا بعيدا حتى غبنا عن أنظارها.
سـاد الصمت بيننا ولم ننتطق ببنت شفة حتى وصلنا إلى أرض المعركة.
هناك كانت اللحظات حاسمة حيث تهيئنا نفسيّاً وميدانيّاً. كان الشباب قد التحقوا بنا ثم تفرقنا كل اثنين في مكان بانتظار العدو الذي جهزنا له كمينا يحرّمهم أن يفكروا فقط أن يدوسوا تلك الأرض الطاهرة.
نظر إلي محمد والأسى يملأ قلبه: "إن استشهدت... (ويصمت لبضع ثوان) لا تدع تلك العجوز وحيدة.. فما لها غير الله وأنا!"
دوّى صوت الرّصاص كالرّعد في ليلة قارصة. نهضت ومحمد بسرعة وتهيئنا لتفجير الجنود وتقطيعهم الى أشلاء تصبح مؤونة للكلاب. كانت معركة حامية جدا استمرت ثلاثة أيام سواسية بدون نوم أو راحة.
وفي طريق العودة الى بيوتنا بسلام. وبينما كنا منهمكين وجراحنا الطفيفة لم تكف عن النزف... ما رضي محمد إلا أن يمرّ بالعجوز قبل ذهابه إلى أمه وأحباءه.
وما إن طلّ أبو حسـن بنور وجهه قُريب الدرب المهجور حتى علت الزغاريد من أرجاء الدار العتيقة والإبتسـامة اعتلت شفتي العجوز وهي تنادي الله وتشكره على كرمه ونعمه عليها
منقول
(من قصص المقاومة )
http://www.arab.fm/image/uploads/aba043c88d.jpg
أعطيتها كل مالي... هكذا قال لي عندما كنا عائدين...
أبو حسن
كان البيت الصغير يرتمي عند أسفل القرية الموزعة على تلة غير عالية، وقد تلفع ببضع شجيرات ليمون كامدة. كنا نمضي بين يوم وآخر مارين بالساحة وكنا نتشبث بالأشجار المتناثرة على جنبات الطريق لندلف نحو زقاق منحدر مفروشٍ بالحصى وعلى جانبيه ارتصفت بيوت قديمة من الحجر وقد تدلت من سقوفها أنواع العرائش المزهرة، وحين ينتهي الزقاق يتصل بدرب ترابية شديدة الإنحدار.
كنا نصل باب الدار فنحني رؤوسنا لندخله، وكانت العجوز التي أحنت ظهرها السنون تستقبلنا بوجه لم يعد فيه مكان لابتسام. كانت في وحدتها أمام مدفأة صغيرة مع إطلالة الخريف الباكرة، وتحت سيل ظلال الأشجار المتدفقة عبر النافذة، كأنما قد توقف الزمن في قلبها. كانت بلا أولاد أو معين أو معيل، تغمرها الوحدة في وادٍ تصفر فيه رياح الغربة، رغم أن القرية كانت في تلك الأيام تعج بساكنيها. أما قُوتها فيأتي من بقعة أرض صغيرة زُرعت فيها بعض الخضار والبطاطا، وما يجود به أحدهم.
كان محمد يصطحبني، حاملاً قليلاً من اللحم وبضع وريقات نقدية، لنمضي بضع دقائق في عالم مرهق بالفقر والوحشة، بعيد عن الضوضاء، متدثر بالحزن بين أكناف القدر.
عجل محمد ليصطحبني لزيارة العجوز وكان في يده كيس كبير من اللحم. فتحت الباب لنا بظهرها المحني دوماً، ثم راحت واستلقت على سرير حديدي بالٍ، كان الوهن يدب في جسدها يوماً بعد يوم، وكان البساط الرقيق الذي يغطي أرض دارها الصغيرة لا يجدي شيئاً في تخفيف برودتها. خرجت من الباب:
أنا بانتظارك في الخارج.
ها أنا قادم.
أعطيتها كل مالي... هكذا قال لي عندما كنا عائدين... لعل مزيداً من المال سيأتيه، لكن من أين له هذا الفقير دوماً وأبداً...كل شيء ممكن في هذه الأيام القاحلة... لست أدري. كنت أفكر فيما فعله، وعندما التفتُّ إليه علني أرى بين عينيه جواباً ما، بدد تلاقي نظراتنا كل أفكاري.
مساء ذلك اليوم زارني محمد ثانية، وقف بالباب وقال:
لدينا عمل مستعجل... الصهاينة يتقدمون عبر الوادي.
سأرتدي بذلتي وآتي.
مشينا على حذر، ورحنا نقطع ذلك الزقاق. كان مدد الرفاق سيوافينا في الطريق، لكن إصراره على استباق وصول الجنود إلى القرية دفعني للّحاق به، وإن على مضض... كانت علامات الهدوء بادية في مشيته... اقتربنا من منزل العجوز، فافترق محمد عن الطريق وقصد منزلها:
إلى أين أنت ذاهب؟... هه، ماذا تفعل؟ وهل هذا وقته؟
إن لم يكن الآن فمتى؟
انتظرته أتلفت يميناً ويساراً، كنت أراقب التلال والجبال لعل الصهاينة قد اقتربوا من المنطقة. مرت بضع دقائق ومحمد ما زال عند الحبيبة العجوز. نظرت صوب باب البيت العتيق فإذا بمحمد يخرج منه والعجوز تلحق به والدموع تسطع لمعانا بمقليتيها. بدت وكأن قلبها يترجاه ألا يغترب عنها أو يتركها وحيدة.
التعابير الحزينة بدت على وجهها رغم التجاعيد التي بصمها مرّ الزمن والفقر. أخيرا انهمرت تلك الدمعة الطاهرة ويديها مرتفعتان إلى السماء بدعاء "الله يجازيك يا إبني ويردّك بالسلامة". كانت لحظة حاسـمة تفتفت الصخر.
اقترب منها محمد. قبّل كتفها وقال: "توكلي بالله وإدعي لنا بالتوفيق" ثم مشينا بعيدا حتى غبنا عن أنظارها.
سـاد الصمت بيننا ولم ننتطق ببنت شفة حتى وصلنا إلى أرض المعركة.
هناك كانت اللحظات حاسمة حيث تهيئنا نفسيّاً وميدانيّاً. كان الشباب قد التحقوا بنا ثم تفرقنا كل اثنين في مكان بانتظار العدو الذي جهزنا له كمينا يحرّمهم أن يفكروا فقط أن يدوسوا تلك الأرض الطاهرة.
نظر إلي محمد والأسى يملأ قلبه: "إن استشهدت... (ويصمت لبضع ثوان) لا تدع تلك العجوز وحيدة.. فما لها غير الله وأنا!"
دوّى صوت الرّصاص كالرّعد في ليلة قارصة. نهضت ومحمد بسرعة وتهيئنا لتفجير الجنود وتقطيعهم الى أشلاء تصبح مؤونة للكلاب. كانت معركة حامية جدا استمرت ثلاثة أيام سواسية بدون نوم أو راحة.
وفي طريق العودة الى بيوتنا بسلام. وبينما كنا منهمكين وجراحنا الطفيفة لم تكف عن النزف... ما رضي محمد إلا أن يمرّ بالعجوز قبل ذهابه إلى أمه وأحباءه.
وما إن طلّ أبو حسـن بنور وجهه قُريب الدرب المهجور حتى علت الزغاريد من أرجاء الدار العتيقة والإبتسـامة اعتلت شفتي العجوز وهي تنادي الله وتشكره على كرمه ونعمه عليها
منقول