زلزال
11-26-2008, 12:04 AM
عن فاطمة »أخت أولادها« ورحلة٣٠ عاماً في زراعة التبغ المرة
http://www.assafir.com/Photos/Photos26-11-2008/26807-2.jpg فاطمة العبد في حديقة منزلها في بليدا
قبل أيام جرى اختيار مزارعة التبغ المثالية. في واقع الحال، كل امرأة تمسك بشتلة دخان وميبر ومنطاع وتخرج إلى حقلها، هي أكثر من مثالية. كل سيدات الجنوب والبقاع والشمال والجبل الكادحات في سبيل لقمة عيش كريمة هن مثاليات. »السفير« اختارت فاطمة العبد من بليدا على سبيل المثال لا الحصر نموذجاً للمرأة التي تقضي عمرها وأيامها في زراعة التبغ من دون كلل أو ملل.
في ظهيرة يوم ما كبرت فاطمة العبد فجأة. وقبل أن تعيش شبابها الندي، حّملتها الحياة اثقال عشرة اخوة لها. حمل ينوء تحته الرجال الرجال. مضت الصبية بكر العائلة التي فقدت والديها تعارك الحياة وحيدة. تصارع لأجلها ولأجل إخوتها، وتخوض معها صولات وجولات، غلبتها الهموم احيانا وهي انتصرت عليها أحيانا كثيرة.
لفاطمة العبد والحياة حكايات وحكايات، حكايات من عمرها الوردي الذي مضى سنة تليها أخرى وما لانت وما كلّت. سلاحها شتلة تبغ وميبر والكثير من الصنادل التي تنتهي بالتخمين والتسليم لإدارة حصر التبغ والتنباك، وبمردود عليها احتساب قروشه قرشاً وراء قرش ليفي باحتياجات الأفواه المعتمدة عليها.
قصص فاطمة تمتد من فجر كل يوم قبل ضحى نهاراتها وتمتد الى كل مغيب. شهودها شموس تموز وآب، وأقمار التشارين الساطعة. يشهد لها أيضا تراب الارض المجبول بملح عرقها، وشقوق ازلية حفرها المنطاع في راحتيها، وللميبر تلاوين حكايا من عمرها الذي »دعس« عتبة الخمسين ربيعا وما يزال يزهو بالعطاء.
ألفت الأرض وقع خطاها، فلانت لها، واستحالت خيرات بين يديها واعطتها دون حساب، فغرست المواسم وقطفتها، وشكت وريقات التبغ ونشرتها على خيوط الايام المتعاقبة، وحصدت معها سنوات طويلة لا تعوض من عمرها.
فاطمة حكاية من حكايات الجنوب الكثيرة، »ربّت وكبّرت« اشقاء لها ولم تطرق ابواب الحاجة والاستعطاء، وأعطتهم كفاف أيامهم وأحيانا اقل ولكنهم اكتفوا بما جاءهم.
كانت فاطمة في العشرين من ربيعها عندما توفيت والدتها حزناً على شقيقها الذي قتله الاحتلال. قبل الأم كان الأب قد توفي باكراً وهو بالكاد أكمل الثلاثين عاماً. »وهكذا وجدت نفسي اما لعشرة اولاد صغيرهم لم يكمل عامه الاول بعد«، تقول فاطمة التي تحب لقب المزارعة، »وهكذا ارتسم قدري أمامي منذ اللحظة الاولى وأدركت ما الذي ينتظرني، فمضت الأيام علينا بحلوها ومرها«.
لا تشي فاطمة بأي علامة من علامات الندم »ولا حتى لثانية واحدة منحتها من عمري لإخوتي« تقول. تحب تلك الأيام بمرها وحلوها. أيام جعلتها تحيا الأمومة مع إخوتها الذين أنجبوا لها حتى الان ٢٩ حفيدا.
»كنت أراهم يكبرون أمام عيني، أعلمهم الزراعة من حرث وغرس وقطاف وشك، فزرعنا معا ١٢ دونماً من الدخان سنويا اضافة الى زراعات اخرى من القمح والزيتون وبعض الاشجار المثمرة«. اليوم تكتفي فاطمة بزراعة ثماني دونمات تزرعها مع بعض المساعدة من اخوتها الذين اصبح لكل واحد وواحدة منهم بيت وعائلة.
لا يبدو وجه فاطمة بسمرته الذي لونته شموس ايام التبغ الطويلة قد تعب من العطاء بعد، »سأبقى ازرع ما دامت يدايّ قادرتين على حمل المنطاع، فانا التي حرثت ارضي بيدي قبل ان نعرف التراكتور، وحملت المياه على رأسي يوميا لأغرس الشتول، سأحافظ على مهنتي وعطاء إخوتي حتى اموت«. وعن تلك الايام تقول فاطمة:
لم يكن هم تربية عشرة أولاد هو الوحيد الذي تحملته فاطمة »كانت بليدا تحت الاحتلال وكانت »ست الستات« كما يناديها إخوتها وأهالي الحي تؤمن مغادرة إخوتها الشباب واحداً تلو الآخر لكي لا تجندهم ميليشيا لحد »وهكذا أصبحت مسؤولة عن بيتين واحد في الجنوب وأخر في بيروت، كما كان عدد الذين يمكنهم مساعدتي يتقلص عاماً بعد عام«.
رغم كل تعبها ونهاراتها الشاقة ورغم نهوضها لسنوات طويلة مع الفجر وصلاته، لا تحمل فاطمة لشتلة التبغ أي كره أو حتى ضجر من تعبها »لا أحمل لها إلا كل عرفان بالجميل، فلولاها لما استطعت أن أتحمل مسؤولياتي وأن أؤدي واجبي تجاه عائلتي.
قليلة هي ساعات فراغها. تارة تحضر فاطمة لموسم الدخان، وطوراً تنشغل في حصاد القمح. وتخصص الخريف لتقطف وتعصر موسمها من مئة كعب زيتون سبق وغرستها بيديها. وبين موسم وآخر تعتني فاطمة ببعض المزروعات البيتية التي وزعتها في حديقة المنزل الخلفية.
ولفاطمة نصيبها من عدوان تموز. حوصرت »ست الستات« في البيت مع بعض جيرانها والأقارب ونالت حصتها من الإصابات. شظايا انغرست في يديها المناضلتين وتحت جلدها ما تزال تحمل آثارها حتى اليوم.
هذه »الأم«، »أجمل أم« كما تسميها شقيقاتها، مستعدة أن تعيد الكرة مرة اخرى لو عاد بها الزمان. ستعود وترفض العرسان الذين وقفوا على بابها، ولن تستمع الى اخوتها مجددا بان تتركهم وتعيش حياتها، ستعود لتفلح الارض على »الفدان«، وتحمل معولها وترسم مستقبل »اولادها الاشقاء«.
http://www.assafir.com/Photos/Photos26-11-2008/26807-2.jpg فاطمة العبد في حديقة منزلها في بليدا
قبل أيام جرى اختيار مزارعة التبغ المثالية. في واقع الحال، كل امرأة تمسك بشتلة دخان وميبر ومنطاع وتخرج إلى حقلها، هي أكثر من مثالية. كل سيدات الجنوب والبقاع والشمال والجبل الكادحات في سبيل لقمة عيش كريمة هن مثاليات. »السفير« اختارت فاطمة العبد من بليدا على سبيل المثال لا الحصر نموذجاً للمرأة التي تقضي عمرها وأيامها في زراعة التبغ من دون كلل أو ملل.
في ظهيرة يوم ما كبرت فاطمة العبد فجأة. وقبل أن تعيش شبابها الندي، حّملتها الحياة اثقال عشرة اخوة لها. حمل ينوء تحته الرجال الرجال. مضت الصبية بكر العائلة التي فقدت والديها تعارك الحياة وحيدة. تصارع لأجلها ولأجل إخوتها، وتخوض معها صولات وجولات، غلبتها الهموم احيانا وهي انتصرت عليها أحيانا كثيرة.
لفاطمة العبد والحياة حكايات وحكايات، حكايات من عمرها الوردي الذي مضى سنة تليها أخرى وما لانت وما كلّت. سلاحها شتلة تبغ وميبر والكثير من الصنادل التي تنتهي بالتخمين والتسليم لإدارة حصر التبغ والتنباك، وبمردود عليها احتساب قروشه قرشاً وراء قرش ليفي باحتياجات الأفواه المعتمدة عليها.
قصص فاطمة تمتد من فجر كل يوم قبل ضحى نهاراتها وتمتد الى كل مغيب. شهودها شموس تموز وآب، وأقمار التشارين الساطعة. يشهد لها أيضا تراب الارض المجبول بملح عرقها، وشقوق ازلية حفرها المنطاع في راحتيها، وللميبر تلاوين حكايا من عمرها الذي »دعس« عتبة الخمسين ربيعا وما يزال يزهو بالعطاء.
ألفت الأرض وقع خطاها، فلانت لها، واستحالت خيرات بين يديها واعطتها دون حساب، فغرست المواسم وقطفتها، وشكت وريقات التبغ ونشرتها على خيوط الايام المتعاقبة، وحصدت معها سنوات طويلة لا تعوض من عمرها.
فاطمة حكاية من حكايات الجنوب الكثيرة، »ربّت وكبّرت« اشقاء لها ولم تطرق ابواب الحاجة والاستعطاء، وأعطتهم كفاف أيامهم وأحيانا اقل ولكنهم اكتفوا بما جاءهم.
كانت فاطمة في العشرين من ربيعها عندما توفيت والدتها حزناً على شقيقها الذي قتله الاحتلال. قبل الأم كان الأب قد توفي باكراً وهو بالكاد أكمل الثلاثين عاماً. »وهكذا وجدت نفسي اما لعشرة اولاد صغيرهم لم يكمل عامه الاول بعد«، تقول فاطمة التي تحب لقب المزارعة، »وهكذا ارتسم قدري أمامي منذ اللحظة الاولى وأدركت ما الذي ينتظرني، فمضت الأيام علينا بحلوها ومرها«.
لا تشي فاطمة بأي علامة من علامات الندم »ولا حتى لثانية واحدة منحتها من عمري لإخوتي« تقول. تحب تلك الأيام بمرها وحلوها. أيام جعلتها تحيا الأمومة مع إخوتها الذين أنجبوا لها حتى الان ٢٩ حفيدا.
»كنت أراهم يكبرون أمام عيني، أعلمهم الزراعة من حرث وغرس وقطاف وشك، فزرعنا معا ١٢ دونماً من الدخان سنويا اضافة الى زراعات اخرى من القمح والزيتون وبعض الاشجار المثمرة«. اليوم تكتفي فاطمة بزراعة ثماني دونمات تزرعها مع بعض المساعدة من اخوتها الذين اصبح لكل واحد وواحدة منهم بيت وعائلة.
لا يبدو وجه فاطمة بسمرته الذي لونته شموس ايام التبغ الطويلة قد تعب من العطاء بعد، »سأبقى ازرع ما دامت يدايّ قادرتين على حمل المنطاع، فانا التي حرثت ارضي بيدي قبل ان نعرف التراكتور، وحملت المياه على رأسي يوميا لأغرس الشتول، سأحافظ على مهنتي وعطاء إخوتي حتى اموت«. وعن تلك الايام تقول فاطمة:
لم يكن هم تربية عشرة أولاد هو الوحيد الذي تحملته فاطمة »كانت بليدا تحت الاحتلال وكانت »ست الستات« كما يناديها إخوتها وأهالي الحي تؤمن مغادرة إخوتها الشباب واحداً تلو الآخر لكي لا تجندهم ميليشيا لحد »وهكذا أصبحت مسؤولة عن بيتين واحد في الجنوب وأخر في بيروت، كما كان عدد الذين يمكنهم مساعدتي يتقلص عاماً بعد عام«.
رغم كل تعبها ونهاراتها الشاقة ورغم نهوضها لسنوات طويلة مع الفجر وصلاته، لا تحمل فاطمة لشتلة التبغ أي كره أو حتى ضجر من تعبها »لا أحمل لها إلا كل عرفان بالجميل، فلولاها لما استطعت أن أتحمل مسؤولياتي وأن أؤدي واجبي تجاه عائلتي.
قليلة هي ساعات فراغها. تارة تحضر فاطمة لموسم الدخان، وطوراً تنشغل في حصاد القمح. وتخصص الخريف لتقطف وتعصر موسمها من مئة كعب زيتون سبق وغرستها بيديها. وبين موسم وآخر تعتني فاطمة ببعض المزروعات البيتية التي وزعتها في حديقة المنزل الخلفية.
ولفاطمة نصيبها من عدوان تموز. حوصرت »ست الستات« في البيت مع بعض جيرانها والأقارب ونالت حصتها من الإصابات. شظايا انغرست في يديها المناضلتين وتحت جلدها ما تزال تحمل آثارها حتى اليوم.
هذه »الأم«، »أجمل أم« كما تسميها شقيقاتها، مستعدة أن تعيد الكرة مرة اخرى لو عاد بها الزمان. ستعود وترفض العرسان الذين وقفوا على بابها، ولن تستمع الى اخوتها مجددا بان تتركهم وتعيش حياتها، ستعود لتفلح الارض على »الفدان«، وتحمل معولها وترسم مستقبل »اولادها الاشقاء«.